كلوروفيل
مع هبوب رياح الصيف الساخنة، وطي صفحة الشتاء والربيع، وضع الموسم الزراعي في كويتنا الحبيبة أوزاره. وكعادتنا في نهاية كل رحلة، نقف لنتأمل المشهد، لا بعين الناقد فقط، بل بقلب المحب، وخوف الحريص على أمننا الغذائي، واستدامة مواردنا.
لقد انتهى الموسم، لكن الأسئلة التي تركها خلفه لا تزال نابتة في عقول المزارعين، والمستهلكين على حد سواء.
إن تقييم الوضع الحالي اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حتمية لرسم خارطة طريق لمستقبل لا يرحم المترددين.
لا يمكننا الحديث عن الزراعة دون الانحناء تقديراً للمزارع الكويتي.
هذا الإنسان الذي تحدى، ولا يزال قسوة المناخ وشح المياه ليزرع الأمل في قلب الصحراء. لكن، هل قدمنا له ما يستحق؟
إن التقييم الحقيقي يبدأ من ملامسة هموم المزارعين، الصغار والكبار، وتفهم معاناتهم مع تكاليف الإنتاج، وتذبذب الأسعار، ونقص العمالة المدربة. الإنصاف الإنساني يقتضي أن نضمن لهذا المزارع حياة كريمة، وعائداً يجعله متمسكاً بأرضه، لا زاهداً فيها، ونمنع العزوف عن هذه المهنة.نعم، امتلأت الأسواق بـ"الخضار الكويتي" الذي نفخر بجودته ونكهته الفريدة، لكن، هل حققنا المعادلة الصعبة؟ التقييم الفني يشير إلى فجوة لا تزال قائمة بين طموح الاكتفاء الذاتي وبين واقع السوق.
نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة التسويق الزراعي، وحماية المنتج الوطني من "تغول" المستورد في ذروة الموسم، لضمان ألا يذهب عرق المزارع سدى في منافسة غير عادلة.
أكثر من 20 عاماً في عالم الصحافة، علمتني أن العالم لا ينتظر أحداً.
الزراعة التقليدية في الكويت وصلت إلى سقفها، والمستقبل اليوم للزراعة المائية (الهيدروبونيك) والذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد المائية. تقييمنا للموسم يجب أن يسلط الضوء على مدى مواكبتنا لهذه التقنيات.
هل استطعنا تحويل المزارع إلى "وحدات إنتاج ذكية" توفر القطرة الواحدة من الماء وتنتج ضعف الثمر؟
إن إغلاق ملف الموسم الزراعي الحالي يجب أن يكون إشارة البدء للموسم المقبل، لا استراحة للمحارب. نحن بحاجة إلى رؤية تشريعية وتنفيذية متكاملة، تربط بين الجهات الحكومية والخاصة وبين الجامعات، والمراكز البحثية والمزارعين المنتجين. نحتاج إلى تسهيلات ائتمانية حقيقية، وإدارة أزمات فعالة تتعامل مع الصدمات المناخية، أو الوبائية، أو حتى السياسية التي نستشعر بها.
لقد لملمت الأرض أطرافها، واستعدت للسبات الصيفي، لكن مسؤوليتنا لم تنتهِ. إن تقييم الوضع الزراعي هو"أمانة" نحملها جميعاً تجاه الأجيال القادمة. فليكن هذا الفاصل الزمني بين الموسمين وقفة للمكاشفة والمراجعة، لكي نعود في الموسم المقبل ونحن أكثر قوة، وأكثر تنظيماً، وأكثر قرباً من تحقيق حلم "الكويت الخضراء" المستدام. والى مستقبل أخضر ومثمر مستدام للأجيال القادمة ان شاء الله.
دكتوراه في فلسفة النبات