الثلاثاء 05 مايو 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
وفرة الحديث... وجفاف الشعور
play icon
كل الآراء

وفرة الحديث... وجفاف الشعور

Time
الثلاثاء 05 مايو 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

في زمنٍ أصبحت فيه الرسائل أسرع من النبض، وتقلّصت المسافات إلى شاشةٍ مضيئة، ينهض سؤال العلاقات لا بوصفه فضولاً فكرياً، بل حاجةً داخلية تمسّ جوهر الإنسان: كيف اقتربنا تقنياً إلى هذا الحد، بينما تباعدت قلوبنا بصمت، كيف تكاثرت الكلمات حتى فقدت حرارتها، وغدا الحضور متاحاً… دون شعورٍ حقيقي بالاحتواء؟

نعيش متصلين طوال الوقت، ومع ذلك يراودنا إحساسٌ خفي بالوحدة؛ كأن الأرواح تبحث عمّن يشعر بها، لا عمّن يراها، وعن دفءٍ لا تصنعه الإشعارات، بل تصنعه القلوب حين تُصغي بصدق.

لقد منحتنا المنصّات الرقمية اتساعاً لم نعهده من قبل؛ صرنا نصل إلى من نشاء بكلمة، ونطلّ على حياة الآخرين بلمسة، ونبث تفاصيل يومنا في لحظة عابرة. غير أنّ هذا القرب الظاهري لم يحمل معه بالضرورة عمقاً حقيقياً؛ فحين يغيب الإصغاء يتحول التواصل إلى صدى بلا روح، وحين يُختصر في تفاعلٍ سريع، أو إعجابٍ صامت، يتآكل معناه الأصدق.

عندها يفقد اللقاء الوجداني دفئه، ويتراجع الفهم، ويبهت التعاطف، وتغدو السكينة حاجةً مؤجلة تبحث عمّن يمنحها حضوراً صادقاً، لا مجرّد اتصال.

والمفارقة أنّ القرب الافتراضي يخلق وهم الاكتفاء؛ فنعتقد أننا "موجودون" لأننا متصلون، وأننا "محتوون" لأن رسائلنا مُشاهَدة. لكن الاحتواء الحقيقي لا يُقاس بزمن الظهور على الشاشة، بل بقدرة الآخر على أن يكون حاضراً حين نضعف، منصة حين نُفصح، وصادقاً حين نحتاج الصدق لا المجاملة. وما لا تمنحه الشاشات- مهما تطوّرت- هو دفء النظرة، وتزامن المشاعر، وثِقل الصمت المشترك الذي يقول ما تعجز عنه الكلمات.

ثمّة سببٌ أعمق لتفكك العلاقات في ظل هذه الوفرة: اقتصاد الانتباه. في عالمٍ يتنافس فيه الجميع على لحظات تركيزنا، يتجزأ القلب كما يتجزأ الوقت؛ ننتقل بين محادثاتٍ كثيرة دون أن نستقرّ في واحدة، فنمنح الجميع "جزءاً" ولا نعطي أحداً "كلّا". هكذا تتحول العلاقات إلى محطاتٍ عابرة، ويُستبدل الالتزام بالمرونة، والعمق بالسهولة، والصبر بسرعة الرد.

كما أسهمت الثقافة الرقمية في إعادة تعريف القرب ذاته؛ فبات القرب مرادفاً للتوافر الدائم لا للاحتواء الثابت. ومع هذا التحوّل، صار الغياب- ولو كان مبرّرا- يُفسَّر كتقصير، بينما يُكافأ الحضور السطحي لأنه سريع ومتاح. فتُهدَر القيم التي تُبنى بها العلاقات طويلة الأمد: الاحتمال، والتدرّج، والتجاوز.

ولا يمكن إغفال أثر "الأداء الاجتماعي"، حيث تُدار العلاقات أحياناً بوصفها واجهة لا رابطة؛ نُحسن الظهور أكثر مما نُحسن الحضور، ونخشى الصراحة لأنها "غير مناسبة للنشر". فينشأ تعارفٌ واسع بلا معرفة، وقربٌ مُعلَن بلا ألفةٍ حقيقية. ومع الوقت، تتآكل الثقة من الداخل؛ فالثقة لا تُستجدى في مناخٍ مُثقلٍ بالأوهام، ولا تستقرّ حيث تُحاصَر الأرواح بالمراقبة.

ومع ذلك، ليست المشكلة في الوسائل بقدر ما هي في كيفية استعمالها؛ فالتقنية أداة- إمّا أن تُعمّق الإنسان أو تُسطّحه. يمكن للقرب الافتراضي أن يكون جسراً إذا أفضى إلى لقاء، وممهّداً للاحتواء إذا اقترن بنيّةٍ صادقة، ومسؤولية واعية. لكن حين يصبح بديلًا عن الالتزام الوجداني، وذريعةً للاختصار، يتحول إلى سببٍ للتفكك لا وسيلةٍ للتقارب.

إن استعادة الاحتواء الحقيقي تبدأ بإعادة الاعتبار لمعناه: أن نكون أقلّ عدداً وأكثر حضوراً، أقلّ امتلاءً بالكلمات وأكثر إصغاءً للمعنى، أقلّ تواصلاً… وأكثر تواصلاً بالإحساس. أن نختار عمق علاقةٍ واحدة على اتساع عشرات، وأن نمنح الوقت قيمته بوصفه استثماراً لا استهلاكاً.

في النهاية، قد نكون أبناء زمنٍ أتقن تقنيات الاتصال حدّ الإتقان، لكنه لا يزال يتعثّر في تعلّم معنى القرب؛ زمنٌ تضيء فيه الشاشات بلا انقطاع، فيما تظل القلوب معلّقة ببحثٍ صامت عن السكون الداخلي. وبين هذا الضوء البارد، وذلك الاحتياج الوجداني الدافئ، يظل السؤال قائماً: هل نكتفي بأن نكون حاضرين رقمياً، أم نسعى إلى حضورٍ يُشعِر ويحتوي؟

فهناك فرقٌ شاسع بين علاقةٍ تُرى… وعلاقةٍ تُشعَر، بين قربٍ يُعرَض، وقربٍ يسكن الروح.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار