حديث الأفق
أهدى السمكة إلى السلطان كي ينال مكافأة سخيّة
الحارس: لن أسمح لك بالدخول إلا إذا أعطيتني نصفها
توقف أيها الجلاد فلي شريكٌ في هذه المكافأة
من تطلّع إلى ما في يد غيره خسر ما في يده
ما رأيك يا شيخنا لو نمازح العامل ونخفي حذاءه؟
العالم الجليل: يجب ألا نسلي أنفسنا بأحزان الآخرين
يا بني أنت ميسور ويمكن أن تجلب السعادة لنفسك
العامل خرّ على ركبتيه ناظراً إلى السماء باكياً
يروى أن جحا اصطاد يوما سمكة كبيرة نادرة فغمره الفرح بها، وقرر أن يهديها إلى السلطان طمعا في مكافأة سخية، وتوجه إلى القصر غير أن الحارس منعه من الدخول، وقال له بلهجة جشعة، لن أدخلك على السلطان إلا إذا أعطيتني نصف المكافأة التي سيمنحك إياها، فكر جحا قليلا ثم وافق على شرطه على مضض. دخل على السلطان، وقدم له السمكة، فأعجب بها السلطان إعجابا شديدا، وقال مسروراً: اطلب ما تشاء يا جحا؟
أجاب بثبات: أطلب من مولاي مئة جلدة!
دهش السلطان من غرابة الطلب، وحاول إقناعه بأن يطلب مالا أو جاها، أو منصبا، لكن جحا أصر، وقال هذا هو طلبي الوحيد يا مولاي.
وافق السلطان، وأمر الجلاد بأن يجلده جلداً خفيفاً مراعاة لسنه، ولأنه لم يرتكب ذنبا يستحق العقاب، وبدأ الجلاد يضرب جحا ضربا يسيرا حتى بلغ الجلدة الخمسين، عندها صرخ المجلود فجأة: توقف... توقف أيها الجلاد، فلي شريك في هذه المكافأة، يجب أن ينال نصيبه.
نظر السلطان إليه متعجبا، وقال: ومن شريكك هذا؟
أجاب: وهو يشير بيده، حارسك، الذي على باب القصر يا مولاي، فقد اشترط عليَّ أن أعطيه نصف ما سأحصل عليه منك، وإلا منعني من الدخول.
فضحك السلطان من دهاء جحا، وأمر بإحضار الحارس فورا، ثم قال للجلاد: أكمل الخمسين جلدة الباقية عليه، واضربه هذه المرة بقوة جزاء لطمعه.
ثم أمر بعزل الحارس وسجنه ليكون عبرة لغيره من الطامعين، وأمر لجحا بصرة من الدنانير إعجابا بذكائه، وحسن تدبيره.
العبرة: إن من طمع في رزق غيره بغير حق، عاد إليه طمعه ذلا وخسرانا، ومن تطلع إلى ما في يد غيره خسر ما في يده، وخاب في مقصده.
جبر خاطر الفقير
يحكى أن شيخاً عالماً، كان يمشي مع أحد تلاميذه بين الحقول، وأثناء سيرهما شاهدا حذاء قديما، فاعتقدا أنه لرجل فقير يعمل في أحد الحقول القريبة، والذي سينهي عمله بعد قليل، ويأتي لأخذه، فقال التلميذ لشيخه: ما رأيك يا شيخنا لو نمازح هذا العامل، ونخفي حذاءه، وعندما يأتي لا يجده، فنرى كيف سيكون تصرفه؟
أجابه العالم الجليل: يجب ألا نسلي أنفسنا بأحزان الآخرين، لكن أنت يا بني ميسور، ويمكن أن تجلب السعادة لنفسك، وذلك بأن تضع للفقير قطع نقدية داخل حذائه، وتختبئ كي تشاهد مدى تأثير ذلك عليه.
أعجب التلميذ بالاقتراح، ووضع بعض القطع في حذاء ذلك العامل، ثم اختبأ هو وشيخه خلف الشجيرات ليريا رد فعل ذلك العامل الفقير.
بعد دقائق، جاء العامل رث الثياب، بعد أن أنهى عمله في تلك المزرعة ليأخذ حذاءه، وإذا به يتفاجأ عندما وضع رجله داخل الحذاء بأن هناك شيئا ما بداخله، وعندما أخرج ذلك الشيء وجده نقودا، وفعل الامر نفسه في الحذاء الآخر، ووجد نقودا أيضا، نظر مليا إلى النقود، وكرر النظر ليتأكد من أنه لا يحلم، بعدها نظر حوله بكل الاتجاهات، ولم يجد أحدا حوله.
وضع النقود في جيبه، وخر على ركبتيه ناظراً إلى السماء باكياً، ثم قال بصوت عال يناجي ربه: أشكرك يا رب، يا من علمت أن زوجتي مريضة وأولادي جياع لا يجدون الخبز، فأنقذتني وأولادي من الهلاك، واستمر يبكي طويلا ناظرا إلى السماء، شاكرا هذه المنحة الربانية الكريمة.
تأثر التلميذ كثيرا وامتلأت عيناه بالدموع، عندها قال الشيخ الجليل:
ألست الآن أكثر سعادة مما لو فعلت؟
أجاب التلميذ: لقد تعلمت درسا لن أنساه ما حييت، الآن فهمت معنى كلمات، لم أكن أفهمها في حياتي... عندما تعطي، ستكون أكثر سعادة من أن تأخذ.