الجمعة 08 مايو 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
هل سقطت واشنطن في فخ التقية السياسية الإيرانية؟
play icon
كل الآراء

هل سقطت واشنطن في فخ التقية السياسية الإيرانية؟

Time
الخميس 07 مايو 2026
أ.د.علي منصور بن سفاع

بينما تنشغل أروقة صنع القرار في واشنطن بصياغة مسودة اتفاق تجميد مقابل رفع العقوبات، يسود صمت محمل بالهواجس في العواصم العربية، حيث إن التسريبات الأخيرة التي تتحدث عن تفاهمات أميركية - إيرانية حول الملف النووي، أعادت إلى الأذهان مشهد عام 2015، لكن بنكهة أكثر مرارة هذه المرة، إذ يبدو أن التقية السياسة الايرانية، التي تتقنها طهران، قد نجحت مجدداً فى استدراج واشنطن الى فخ شراء الوقت.

إن التاريخ القريب يخبرنا بأن إيران لا تتفاوض لتصل إلى حل، بل لتفكيك الضغوط، وفي العقد الماضي منحت الاتفاقات النووية طهران تدفقات نقدية ضخمة، لم تستغل في تنمية الداخل الإيراني، بل في تمويل هلال النار الذي يطوق المنطقة العربية، واليوم يتكرر الخطأ مع واشنطن، متجاهلة "أن التنازل التقني الإيراني في تخصيب اليورانيوم"، هو إجراء موقت يمكن عكسه في أسابيع، بينما رفع العقوبات هو مكسب ستراتيجي دائم، سيعزز نفوذ أذرعها في المنطقة.

لم يعد السؤال في المنطقة العربية متى سيوقع الاتفاق، بل ما هو الثمن الذي سندفعه؟

لقد تزعزعت الثقة في المظلة الأمنية الأميركية لأسباب جوهرية عدة:

1- انتقائية الملفات: حيث تصر واشنطن على فصل الملف النووي عن السلوك الاقليمي (الصواريخ والميليشيات)، وهو فصل يراه العرب خيانة للأمن الجماعي.

2- البراغماتية الانتخابية: الشعور السائد بأن الإدارة الأميركية الحالية تبحث عن انجاز سریع لتهدئة أسعار الطاقة، وتجنب الصراع قبل الانتخابات، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح حلفائها الستراتيجية.

3- تكرار "الطعم": النجاح الإيراني في تسويق صورة الاعتدال الموقت، بينما تستمر آلتها العسكرية في التمدد، وجعل العواصم العربية تشعر أن واشنطن باتت شريكاً في التغافل وليس "الغفلة".

إن الحقيقة المرة هي أن أموالاً ستتدفق الى خزائن طهران، نتيجة رفع العقوبات، ستترجم فوراً إلى زيادة في زعزعة استقرار اليمن ولبنان وسورية، والعراق بشكل مباشر.

وبينما يحتفل الديبلوماسيون في فيينا، أو نيويورك، بتجنيب الحرب تجد دول المنطقة نفسها مضطرة لمواجهة تداعيات هذا الاتفاق بمفردها، إما عبر صفقات تسليح باهظة، أو عبر تنويع تحالفاتها الدولية، بعيداً عن القطب الواحد، الذي لم يعد موثوقا به.

إن ما يحدث اليوم ليس سوى إعادة انتاج لسياسة السراب، إيران تنجح في ممارسة التقية السياسة ببراعة، والولايات المتحدة تأكل الطعم برغبة واضحة، أما العرب فقد تعلموا، من لدغات الجحر المتكررة، أن أمنهم لا يصنع في واشنطن، بل في وحدة موقفهم، وقدرتهم على فرض معادلة جديدة، تتجاوز التواطؤ الدولي الحالي.

إن الخطر الحقيقي لهذا الاتفاق لا يكمن في أجهزة الطرد المركزى فقط، بل فى الفائض المالي الذي سيصب في مصلحة الأذرع المسلحة، وبينما تتفاوض واشنطن على الورق، تفرض إيران واقعاً دموياً على الأرض، عبر وكلائها، وفي مقدمهم "جماعة الحوثي" في اليمن.

لقد تحول "الحوثي" من ميليشيا انقلابية، متمردة على النظام في اليمن، إلى رأس حربة في ستراتيجية الابتزاز الإيراني، فالمسيرات والصواريخ التي تهدد ممرات الملاحة الدولية في البحر الاحمر، ومضيق باب المندب، هي في الواقع رسائل مشفرة ترسلها طهران لتحسين شروطها التفاوضية (إن سيطرة إيران على مضيق هرمز ومضيق باب المندب، كفيلة بأن تمنحها القدرة على التحكم في التجارة الدولية العالمية، وفرض الخناق على العالم متى ارادت).

إن رفع العقوبات، دون ضمانات حقيقية لتقليم هذه الاظافر، يعني منح "الحوثي" ضوءاً اخضر للاستمرار في زعزعة أمن الخليج العربي، وتحويل الملاحة الدولية الى رهينة.

إن ايران تستخدم "الحوثي" كمنصة متقدمة لتهديد العمق العربي، وتطويق المنطقة من الجنوب، أي أن أي اتفاق يمنح طهران شرعية دولية، أو تدفقات نقدية، دون تفكيك ترسانة "الحوثي" الباليستية، هو في الواقع حكم بالإعدام على فرص السلام المستدام في المنطقة.

وفي نهاية المطاف يبقى التساؤل المرير: كيف يمكن الوثوق باتفاق يمنع القنبلة النووية نظريا، ويسمح للصواريخ الحوثية عملياً بأن تنهمر على المنشآت المدنية والاقتصادية؟

لقد أدركت دول المنطقة أن التقية الإيرانية لم تنجح فقط في خداع واشنطن، بل نجحت في جعل الأذرع الاقليمية هي الحاكم الفعلي لموازين القوى، بتمويل إيراني وتغطية دولية.

$ سفير اليمن لدى الكويت

آخر الأخبار