الأحد 10 مايو 2026
29°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
عمر بن الخطاب
play icon
كل الآراء

عمر بن الخطاب

Time
الأحد 10 مايو 2026
د.عبدالله محمد الطريجي

عمر بن الخطاب، القائد الذي صنع أعظم نموذج للعدل، وبناء الدولة في التاريخ.

في كل أمة شخصيات استثنائية تصنع التحولات الكبرى، وتغيّر مجرى التاريخ، وتبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب، مهما تعاقبت القرون، لكن قلائل الذين تجاوز تأثيرهم حدود الزمان والمكان، ليصبحوا نموذجاً إنسانياً عالمياً، تتأمل الأمم سيرتهم بإعجاب واحترام، ومن بين هؤلاء يبرز اسم عمر بن الخطاب، ذلك القائد الذي لم يكن مجرد خليفة، حكم سنوات معدودة، بل رجل دولة استثنائي، أسّس حضارة، ووضع قواعد الحكم العادل، وأرسى مبادئ الإدارة، التي سبقت عصرها بقرون طويلة.

وقد عبّر المفكر، الفيلسوف، الفرنسي روجيه غارودي عن دهشته من عظمة هذه الشخصية التاريخية، حين اقترح أن يحتفل المسلمون سنوياً بذكرى تولّي عمر بن الخطاب الخلافة في الثالث والعشرين من أغسطس سنة 634 ميلادية، الموافق للثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة 13هجرية، معتبراً أن هذا الرجل يستحق أن يُحتفى به، كواحد من أعظم القادة الذين عرفهم التاريخ الإنساني.

لم يكن عمر بن الخطاب قائداً عسكرياً فقط، رغم أن الدولة الإسلامية في عهده امتدت بشكل غير مسبوق، ففُتحت بلاد الشام والعراق وفارس ومصر، وبرقة وطرابلس الغرب، وأذربيجان ونهاوند وجرجان، بل كان قبل ذلك وبعده رجل مؤسسات، وصاحب رؤية حضارية متكاملة، أدرك أن قوة الدولة لا تقوم بالسيف وحده، بل بالعدل والتنظيم، وحفظ حقوق الناس.

في عهده ظهرت للمرة الاولى ملامح الدولة الحديثة، بمفهومها الإداري والتنظيمي، فكان أول من لُقّب بأمير المؤمنين وأول من جعل الهجرة النبوية بداية للتاريخ الإسلامي، وأول من أنشأ الدواوين لتنظيم شؤون الدولة، وأول من أسس بيت مال المسلمين، لتنظيم الأموال العامة وحفظ حقوق الرعية، كما وضع نظاماً دقيقاً لمراقبة الولاة والقادة، ومحاسبتهم، وكان يسألهم دائماً عن أموالهم وممتلكاتهم مرددًا عبارته الشهيرة "من أين لك هذا"؟

لقد فهم عمر مبكراً أن السلطة مسؤولية، وليست امتيازاً، وأن الحاكم الحقيقي هو من يخضع للمحاسبة، قبل الناس جميعاً، ولذلك لم يتردد في محاسبة أقرب الناس إليه، ولم يسمح لوالٍ، أو قائد، أن يظلم إنساناً مهما كان دينه، أو أصله، وكان يقف إلى جانب المظلوم، ولو كان غير مسلم.

ومن أعظم ما يروى عنه موقفه الشهير عندما قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

وهي عبارة تُعد من أعمق ما قيل في تاريخ العدالة، وحقوق الإنسان، حتى قبل أن تعرف البشرية المواثيق الحديثة بقرون طويلة.

كما اهتم عمر بن الخطاب ببناء المجتمع، لا بتوسيع النفوذ فقط، فأنشأ المدن الجديدة مثل البصرة والكوفة، ومهّد الطرق، ونظّم الأسواق، واهتم بالتموين والرعاية الاجتماعية، وفرض للفقير والمحتاج حقاً في بيت المال، حتى شملت الرعاية كبار السن والعجزة، وفقراء أهل الكتاب، في صورة تُجسد أرقى معاني العدالة الإنسانية والمواطنة.

أما الجيش في عهده فقد تحوّل إلى مؤسسة منظمة، لها سجلات، ورواتب، وقوات احتياطية، ومخازن تموين، وحدود محمية، وحسابات دقيقة لشؤون الجنود، وحقوقهم، حتى إنه حدّد مدة غياب الجنود عن زوجاتهم، مراعاةً للجوانب الإنسانية والاجتماعية.

وكان يؤمن أن هيبة الدولة لا تكتمل إلا بالقضاء العادل، فأنشأ دار القضاء، وعيّن القضاة، وحرص على استقلالهم الكامل، حتى أصبح القضاء في عهده ملاذاً للضعفاء، وميزاناً حقيقياً للحق،

ولهذا لم يكن غريباً أن يقف المفكر الفرنسي روجيه غارودي منبهراً أمام هذه التجربة الفريدة، متسائلا: ما قيمة نابليون أمام إنجازات عمر، وما قيمة جورج واشنطن أمام عدالة عمر، وما قيمة كولومبس أمام مشروع عمر الحضاري؟

لقد أدرك غارودي إن العالم يعرف أسماءً كثيرة لقادة صنعوا الحروب، أو أسسوا إمبراطوريات، لكنه قلّما عرف قائداً جمع بين القوة والرحمة، وبين الحزم والعدل، وبين بناء الدولة وحفظ كرامة الإنسان، كما فعل عمر بن الخطاب.

إن الحديث عن عمر ليس استدعاءً لصفحة من التاريخ فقط، بل تذكير أن الأمة التي أنجبت هذا النموذج العظيم، قادرة على أن تستعيد قيم العدالة، والنهضة، والإنسانية، متى ما عرفت كيف تقرأ تاريخها قراءة واعية.

سيبقى عمر بن الخطاب واحداً من أعظم الرجال الذين مرّوا في تاريخ البشرية، ورمزاً خالداً للحاكم الذي خاف الله، فعدل، فأحبّه الناس، وخلّد التاريخ اسمه بأحرف من نور.

محام كويتي

آخر الأخبار