ما يجري في العراق اليوم لا يمكن قراءته بوصفه مجرد انتقال حكومي اعتيادي، بل يبدو أقرب إلى إعادة تشكيل هادئة لمعادلة السلطة، أو ما يمكن تسميته "التغيير الناعم" للنظام السياسي، إذ لا تُستخدم الدبابات، ولا تُعلن الانقلابات، بل تتحرك التفاهمات، الدولية والإقليمية، عبر بوابة المؤسسات والدستور، وبغطاء سياسي داخلي محسوب.
تكليف علي فالح الزيدي تشكيل الحكومة الجديدة، ثم الاتصال السريع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتهنئته الرسمية له، مع دعوته لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، ليس حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل يحمل رسالة واضحة، بأن واشنطن تريد شريكاً جديداً قادراً على إدارة مرحلة مختلفة، عنوانها ضبط السلاح، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل، وإنهاء سياسة اللعب على الحبلين بين واشنطن وطهران.
وقد وصف ترامب المرحلة بأنها "بداية فصل جديد" مع بغداد، مع حديث واضح عن حكومة "خالية من الإرهاب".
هذا التطور يتزامن مع انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية، وهو حدث سياسي مهم، يتجاوز مجرد تداول المنصب، لأن طريقة وصوله عبر ما يُسمى "الفضاء الوطني" تعكس ضرباً مباشراً لنفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني، وإعادة رسم لمعادلة البيت الكردي داخل بغداد.
هذا التحول لا يعني فقط تغيير اسم الرئيس، بل يعني أن التوافقات القديمة بدأت تتآكل، وأن مراكز القرار تبحث عن توازنات جديدة، أقل صداماً وأكثر انسجاماً مع التحولات الإقليمية والدولية.
أما العامل الأكثر إثارة فهو موقف السيد مقتدى الصدر، خصوصاً دعوته لأنصاره و"سرايا السلام" إلى تشكيل لجان لتقييم الأداء، وتسليم ما لدى بعض القيادات من أسلحة وسيارات، ومعدات.
هذه الخطوة لا يمكن فهمها فقط كإجراء تنظيمي داخلي، بل تحمل دلالات ستراتيجية عميقة. الصدر رجل يقرأ المشهد مبكراً، وغالباً لا يتحرك إلا حين يدرك أن التحول قادم لا محالة.
إشارات الصدر توحي أنه لا يريد أن يكون خارج المعادلة المقبلة، ولا أن تُحسب عليه مواجهة مع مشروع إعادة ترتيب الدولة. وربما وصلت إليه معلومات دقيقة أن هناك تفاهماً، دولياً – إقليمياً، يتشكل حول صيغة جديدة للحكم، يكون فيها السلاح المنفلت عبئاً لا ورقة قوة، وأن المرحلة المقبلة ستُبنى على شرعية الدولة لا شرعية القوة.
في هذا السياق، يبدو أن حكومة الزيدي قد تكون حكومة عبور تاريخي، لا حكومة خدمات فقط. المطلوب منها ليس تعبيد الطرق، أو زيادة التعيينات، بل إدارة انتقال سياسي حساس: تهدئة العلاقة مع واشنطن، منع الانفجار مع طهران، احتواء الفصائل، وتقديم نموذج حكم قابل للبقاء.
الولايات المتحدة لا تبحث بالضرورة عن تغيير الأشخاص، بل عن تغيير قواعد اللعبة. هي تدرك أن إسقاط النظام السياسي الحالي مكلف وخطير، لذلك تتجه نحو "التعديل من الداخل"، عبر دعم شخصيات أكثر مرونة، وإضعاف مراكز النفوذ الصلبة، ودفع القوى الشيعية نفسها إلى إعادة إنتاج السلطة بطريقة أقل تصادمية.
المنطقة أيضاً تضغط بهذا الاتجاه. ما بعد حرب غزة، والتوتر في الخليج، واحتمالات الانفجار في مضيق هرمز، كلها تجعل العراق ساحة لا يُسمح لها بالانفلات. الجميع يريد عراقاً مستقراً، لكن كل طرف يريده وفق مصالحه. هنا تظهر أهمية الزيدي: هل سيكون رجل التسوية، أم رجل المرحلة الانتقالية فقط؟
الاحتمال الأرجح أن العراق دخل فعلاً مرحلة ما بعد التوازن القديم. لا أحد يريد صداماً شاملاً، لكن الجميع يستعد لإعادة توزيع النفوذ.
انتخاب آميدي، صعود الزيدي، مرونة الصدر، والانفتاح الأميركي السريع، كلها ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مشروع أكبر عنوانه: إعادة هندسة السلطة بهدوء.
السؤال الحقيقي ليس هل بدأ التغيير بل: من سيملك القدرة على قيادته قبل أن يُفرض عليه؟
كاتب عراقي