الثلاثاء 12 مايو 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
دراسة أميركية: هكذا 'يُصنع' التعاون السياسي مع البرلمان الكويتي
play icon
المحلية

دراسة أميركية: هكذا "يُصنع" التعاون السياسي مع البرلمان الكويتي

Time
الثلاثاء 12 مايو 2026
السياسة" - خاص"
"السياسة" تحاور الباحثين اللذين أعدّاها ونشراها في "المجلة البريطانية للعلوم السياسية"
الباحثان دانيال تافانا وإيرين يورك: حَلَّلنا أكثر من 150 ألف عملية تصويت برلمانية من 1963 إلى 2016
دانيال تافانا
  • الثروة النفطية من أهم مُحدِّدات السلوك البرلماني... فحين ترتفع إيرادات النفط يرتفع تعاون النواب مع الحكومة!
  • كثيراً ما تتحوّل المؤسسة التشريعية إلى مساحة لإدارة المصالح والتوازنات داخل النظام السياسي
  • لا ندّعي أن كل تصويت يتم شراؤه... لكنَّ نمط البيانات يفيد بأن الحكومة تستخدم مواردها لتأمين الدعم البرلماني
  • "الاستيعاب التشريعي" إنتاج تعاون بين النواب والحكومة من تبادل منافع مقابل الدعم السياسي
إيرين يورك
  • بمزيج من الريوع الاقتصادية والتنازلات السياسية تقطع الحكومة على النواب طريق عرقلة أجندتها
  • العلاقة بين السلطتين ليست "موالاة ومعارضة" وحسب... بل تفاوض تُستخدم فيه حوافز اقتصادية لـ"الاستيعاب السياسي"
  • ملايين الدولارات حُولت في 2011 إلى حسابات نُوَّاب... "فضيحة" أثارت غضباً شعبياً ولعلها أسهمت أخيراً في حل البرلمان
  • حين يكون لتيار أيديولوجي عضو أو أكثر في مجلس الوزراء يصبح النواب المنتمون إلى التيار أكثر تعاوناً مع الحكومة

"السياسة"- خاص

في الكويت، لا تبدأ التحالفات السياسية دائماً تحت قُبَّة عبدالله السالم، ولا تُحسم عبر الخطابات العلنية أو المواقف الأيديولوجية فقط، بل كثيراً ما تُصاغ قبل جلسات التصويت، داخل شبكة معقدة من التفاهمات السياسية والحسابات الاقتصادية وإدارة التوازنات بين الحكومة والنواب.

هذه الخلاصة تطرحها دراسة أكاديمية أميركية حديثة، ترى أن العلاقة بين الحكومة ومجلس الأمة في الكويت لا يمكن قراءتها من زاوية "موالاة ومعارضة" فقط، بل بوصفها عملية تفاوض سياسي مستمرة، تُستخدم فيها الحوافز الاقتصادية والتمثيل الوزاري وأدوات الاستيعاب السياسي لبناء الدعم داخل البرلمان.

الدراسة المنشورة في "المجلة البريطانية للعلوم السياسية"، أعدها أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية بنسلفانيا دانيال تافانا، بالتعاون مع أستاذة العلوم السياسية في جامعة فاندربيلت إيرين يورك، واعتمدت على تحليل أكثر من 150 ألف عملية تصويت داخل مجلس الأمة منذ العام 1963 وحتى 2016، في محاولة لفهم كيف يُصنع التعاون السياسي داخل الحياة البرلمانية الكويتية.

وفي حوار، أجرته معهما "السياسة"، تحدث الباحثان عن تأثير النفط على السلوك البرلماني، وحدود العلاقة بين التمثيل الشعبي والنفوذ السياسي، وكيف تتحول المؤسسة التشريعية أحياناً إلى مساحة لإدارة المصالح والتوازنات داخل النظام السياسي الكويتي... وهنا تفاصيل الحوار:

تتحدّى دراستكما الفهم التقليدي للسياسة البرلمانية، ما الحجة الأساسية التي تطرحانها؟

تنظر الدراسة في كيفية نشوء التعاون بين النواب المنتخبين في الكويت والحكومة. من السهل افتراض أن النواب المنتخبين يصوتون مع الحكومة عندما يتفقون معها، أو عندما يريد ناخبوهم ذلك. لكننا نرى أن هناك عاملاً آخر يعمل أيضاً، وهو عملية نسميها "الاستيعاب التشريعي"، حيث يُنتج التعاون من خلال تبادل المنافع مقابل الدعم السياسي...

بعد انتخابهم، يكتسب النواب سلطة تشريعية حقيقية. وهذه السلطة تشكل قيداً فعلياً على الحكومة؛ فمن حيث المبدأ، يستطيع النواب المنتخبون استخدامها لعرقلة أجندة الحكومة. وهنا يصبح السؤال: كيف تضمن الحكومة ألا يفعلوا ذلك؟ إجابتنا هي أن التعاون غالباً ما يُنتج من خلال مزيج من الريوع الاقتصادية والتنازلات السياسية.

هذا يغيّر الطريقة التي نفهم بها البرلمان. فبدلاً من أن يكون البرلمان مجرد مساحة للولاء أو المعارضة، فإنه يعمل أيضاً كساحة تفاوض، يُبنى فيها الدعم ويحافَظ عليه عبر حوافز مختلفة. وما يبدو تعاوناً في التصويت النهائي يعكس غالباً تفاهمات جرت قبل وقت طويل من إجراء التصويت. هذه التفاهمات تحدث خلف الكواليس، ولا يمكننا رصدها مباشرة. لكن الأدلة التي نقدمها تتسق مع هذا التفسير.

تعتمد الدراسة على قاعدة بيانات واسعة جداً للتصويت البرلماني. ماذا تكشف هذه البيانات؟

قمنا ببناء قاعدة بيانات تضم أكثر من 150 ألف تصويت فردي بنداء الأسماء، تغطي التاريخ التشريعي الكامل للكويت من العام 1963 حتى العام 2016. وبحسب علمنا، تُعد هذه القاعدة واحدة من أكثر السجلات شمولاً من نوعها. وهي تتيح لنا قياساً منهجياً لعدد المرات التي يصوت فيها النواب المنتخبون مع الحكومة أو ضدها.

وتظهر البيانات أن النواب المنتخبين يصوتون ضد مجلس الوزراء في نحو 10 في المئة فقط من الحالات. وعادة ما تفوز الحكومة بهامش واسع؛ إذ تُقر نحو 30 في المئة من القوانين بالإجماع.

لكن هذا لا يعني أن البرلمان بلا أهمية. ففي بعض الأحيان، يمرر البرلمان تشريعات رغم معارضة الحكومة. كما أن هناك تفاوتاً كبيراً في مدى تعاون كل نائب منتخب مع الحكومة. وهذا الجمع بين مستوى عالٍ من التعاون عموماً، مع وجود معارضة بين حين وآخر، يشير إلى نظام يتشكل فيه السلوك التشريعي بفعل الحوافز؛ فالتعاون هو القاعدة، لكنه ليس تلقائياً.

إيرادات النفط

إحدى النتائج الأساسية في دراستكما تتعلق بدور إيرادات النفط، وكيف تؤثر في السلوك البرلماني؟

لقد وجدنا نمطاً واضحاً: عندما ترتفع إيرادات النفط، يرتفع معها تعاون النواب المنتخبين. فزيادة قدرها نحو 30 دولاراً في السعر العالمي للنفط ترتبط بزيادة تقارب 3 نقاط مئوية في التصويت مع الأجندة التشريعية للحكومة.

ومن المهم هنا أننا لا نستطيع رصد المدفوعات الفردية للنواب بصورة مباشرة. نحن لا ندّعي أن كل تصويت يتم شراؤه، لكن النمط الظاهر في البيانات يتسق مع تفسير مفاده أن الحكومة تستخدم مواردها لتأمين الدعم داخل البرلمان.

والنقطة الأوسع هي أن الثروة النفطية لا تساعد الحكومات فقط على إدارة توقعات الجمهور، بل تساعدها أيضاً على إدارة النخب السياسية، بما في ذلك أولئك المنتخبون لتمثيل الناخبين. فالثروة النفطية توسع قدرة الحكومة على توزيع المنافع، وتقليل المعارضة، وتأمين التعاون داخل البرلمان نفسه. والوجه الآخر لذلك هو أنه عندما تنخفض أسعار النفط، تتراجع معها القدرة على الحفاظ على ذلك التعاون.

فضائح فساد

تشير الدراسة أيضاً إلى فضائح فساد تورط فيها نواب. لماذا يُعد ذلك مهماً لحجتكم؟

تسلط الدراسة الضوء على عدة حالات معروفة علناً من الرشاوى والفساد، مثل فضيحة العام 2011 التي قيل إن ملايين الدولارات حُولت خلالها إلى الحسابات المصرفية لنواب منتخبين. وقد أثارت تلك الواقعة تحقيقاً أوسع، ورد فعل شعبي كبيراً، وأسهمت في نهاية المطاف في حل البرلمان.

إن الأمثلة المعزولة لا تثبت أن كل تصويت تعاوني كان نتيجة دفعة مالية؛ ونحن لا نقول ذلك، لكنها تُظهر أن نوع التبادل الذي نَصِفه ليس نظرياً، فنحن نعرف من هذه الوقائع أن مثل هذه المدفوعات حدثت، وأنها كُشفت للرأي العام في عدة مناسبات. أما النقطة الأعمق فهي بنيوية، إذ عندما يمتلك النواب المنتخبون سلطة حقيقية على التشريع، تصبح هذه السلطة نفسها ذات قيمة، ويمكن استثمارها أو مبادلتها أو التأثير فيها عبر الحوافز المادية. وحجتنا هي أن هذا النوع من التبادل يشكل سمة منتظمة من طريقة عمل النظام. أما الفضائح التي تظهر أحياناً إلى العلن، فهي تعكس نمطاً أوسع.

إلى جانب المال، تشيران في دراستكما إلى "التنازلات السياسية". كيف لاحظتما مفعول هذه التنازلات عملياً؟

المال هو إحدى الآليات التي تستخدمها الحكومة لتأمين الأصوات داخل البرلمان. أما الآلية الأخرى فهي السياسة. في الكويت تُصاغ معظم القوانين أولاً داخل الحكومة، ثم تُحال إلى البرلمان لتعديلها أو إقرارها. لذلك، فإن من يكون داخل الحكومة يمتلك أفضلية مبكرة في تشكيل ما يصوت عليه البرلمان. وقد وجدنا أنه عندما يكون لتيار أيديولوجي عضو واحد أو أكثر في مجلس الوزراء، يصبح النواب المنتخبون المنتمون إلى ذلك التيار أكثر تعاوناً بصورة ملحوظة؛ إذ يزداد احتمال تصويتهم مع الحكومة بنحو نقطتين مئويتين في المتوسط عن كل وزير. ويكون هذا التأثير أكبر عندما تتطابق حقيبة الوزير مع موضوع القانون؛ وهذا بالضبط ما نتوقعه إذا كان الوزراء يدمجون تفضيلات تياراتهم السياسية في مشروعات القوانين. وبهذا المعنى لا يكون التعاون دائماً مفروضاً أو مُشتَرى، بل يمكن أيضاً اكتسابه من خلال منح قوى خارج الحكومة مقعداً ذا معنى على طاولة صناعة السياسات.

استخلاص المنافع

هل يعني ذلك أن البرلمان يمكن استخدامه أداةً لاستخلاص المنافع بدلاً من خدمة المصالح العامة؟

إحدى دلالات نتائج الدراسة هي أن المؤسسات التشريعية يمكن أن تؤدي وظائف متعددة في الوقت نفسه. فمن جهة يمكن أن توفر تمثيلاً حقيقياً، حيث تفوز التيارات الأيديولوجية بمقاعد وتحصل على مناصب وزارية وتؤثر في السياسات؛ وثمة مثال لافت على ذلك، هو أن تركيبة مجلس الوزراء تتبع فعلياً تركيبة البرلمان، رغم عدم وجود أي شرط قانوني يلزم بذلك. وهذا يبدو إلى حد بعيد شكلاً من أشكال التمثيل الديمقراطي.

ومن جهة أخرى، البرلمان أيضاً مساحة يستطيع فيها النواب الأفراد اكتساب منافع لهم، مثل الوصول والنفوذ وامتيازات أخرى في مقابل أصواتهم، ويمكن للنواب أيضاً استخدام البرلمان للدفع بالمصالح العامة، أو للتفاوض مع الحكومة؛ وهذه الطبيعة المزدوجة للنظام لا تلغي أهمية البرلمان، لكنها تجعل فهم دوره أكثر تعقيداً؛ فهو موقع للتمثيل وموقع للتبادل الاستراتيجي في الوقت نفسه.

ما الدروس الأوسع التي تقدمها هذه الدراسة عن النظام السياسي في الكويت اليوم؟

نحن حذرون من الذهاب بعيداً في الاستنتاجات؛ فبياناتنا تمتد حتى العام 2016، وسنحتاج إلى أدلة أحدث قبل تقديم ادعاءات قوية بشأن اللحظة الراهنة. ولكن مع ذلك، تقدم دراستنا بعض الخلاصات؛ فديناميات الحياة البرلمانية لا تتشكل فقط بفعل التصميم الدستوري، بل أيضاً بفعل الحوافز التي تواجه الفاعلين السياسيين، والتعاون والمعارضة والأزمات كلها، إلى حد ما، نتاج الطريقة التي تُبنى بها تلك الحوافز. وعندما تتراجع الموارد اللازمة للحفاظ على التعاون، كما يحدث مثلاً أثناء انخفاض أسعار النفط، يمكن أن يتعرض النظام لضغط حقيقي. وتُظهر بياناتنا أن انخفاض التعاون يسبق أحياناً، وبصورة مباشرة، حل مجلس الأمة.

وفي الوقت نفسه، تُبرز نتائجنا أن الانتخابات مهمة؛ فمن يختاره الناخبون يؤثر فعلاً فيمن ينتهي به الأمر إلى تشكيل السياسات، لأن تركيبة مجلس الوزراء غالباً ما تعكس تركيبة البرلمان، وهذا يشير إلى أن اختيارات الناخبين في صناديق الاقتراع يمكن أن تكون لها نتائج ذات معنى على طريقة حكم البلاد.

الباحثان في سطور... 

دانيال تافانا

أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا، يَنصَبُّ اهتمامه البحثي على ديناميات المعارضة السياسية والانتخابات في الأنظمة السلطوية، ويُركِّزُ خصوصاً على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يشتغل على دراسة السلوك السياسي المقارن وسياسات الهوية والعرق، من خلال تحليل بيانات أصلية تشمل الانتخابات واستطلاعات الرأي وأعمال المجالس التشريعية.

حصل دانيال تافانا على درجة الدكتوراه في السياسة من جامعة برينستون في العام 2021، ونُشرت له أبحاث متخصصة في قضايا التحالفات السياسية والتعاون البرلماني داخل الأنظمة غير الديمقراطية.

إيرين يورك

أستاذة مساعدة في قسم العلوم السياسية بجامعة فاندربيلت، تُركِّز أبحاثها على تأثير القواعد المنظمة للمؤسسات السلطوية في تشكيل النتائج السياسية، وعلاقة المواطنين بالدولة، وتعتمد في دراساتها على بيانات إدارية واستقصائية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إضافة إلى تحليلات متعلقة بالمجال الإلكتروني والسياسات العامة.

حصلت إيرين يورك على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا، وعملت سابقاً باحثة في مؤسسة RAND الأميركية، كما شغلت منصب زميلة فولبرايت في سورية.

دراسة أميركية: هكذا 'يُصنع' التعاون السياسي مع البرلمان الكويتي
play icon

آخر الأخبار