الثلاثاء 12 مايو 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
تشريع أم تهديد لاستقرار الأسرة الكويتية؟
play icon
كل الآراء

تشريع أم تهديد لاستقرار الأسرة الكويتية؟

Time
الثلاثاء 12 مايو 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

انطلاقاً من الإيمان بأن الأسرة الكويتية هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فإن أي تشريع يمس هذا الكيان يجب أن يُصاغ بدقة وحكمة، بحيث يحقق التوازن بين حماية أفراد الأسرة من أي اعتداء حقيقي، وبين الحفاظ على استقرار الأسرة وتماسكها.

ومن هذا المنطلق، يثير التعديل الأخير على قانون الحماية من العنف الأسري جملة من التساؤلات، والتحفظات القانونية والاجتماعية، لما قد يترتب عليه من آثار عكسية تتجاوز الهدف المعلن للقانون.

ومن أبرز الملاحظات على التعديل أنه وسّع تعريف العنف الأسري ليشمل أوصافاً فضفاضة، مثل العنف النفسي والمالي، دون وضع ضوابط دقيقة تميز بين الاعتداء الحقيقي، وبين الخلافات اليومية الطبيعية، التي لا تكاد تخلو منها أي أسرة. فالنقاش، والعتاب، والاختلاف في وجهات النظر، أو حتى بعض القرارات المالية داخل الأسرة، قد تُفسر على نحو يفتح الباب أمام شكاوى لا مبرر لها.

كما سهّل القانون إجراءات تقديم البلاغات من خلال المنصات الإلكترونية، والخط الساخن، وهو ما قد يؤدي إلى تضخم عدد الشكاوى، وتحويل كثير من الخلافات البسيطة إلى ملفات في التحقيق والنيابة، والمحاكم، في حين كان يمكن احتواؤها بالصلح والإصلاح الأسري.

ويزداد القلق مع صعوبة إثبات كيدية الشكاوى عملياً، حتى وإن انتهى الأمر بحفظ البلاغ. فمجرد فتح التحقيق، واستدعاء أحد أفراد الأسرة، قد يسبب أضراراً نفسية واجتماعية كبيرة، ويؤدي إلى توتر العلاقات الزوجية والأسرية، ومن ثمّ فإن العدالة تقتضي تمكين المتضرر من المطالبة بتعويض رادع، في حال ثبوت التعسف في استخدام القانون.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه التوسعات التشريعية إلى نتائج اجتماعية غير مرغوبة، مثل زيادة حالات الطلاق، والعزوف عن الزواج، واتساع النزاعات الأسرية، فضلاً عن إضعاف دور الوالدين في التربية والتوجيه.

كما يمنح القانون جهات التحقيق والمحاكم صلاحيات واسعة لإصدار أوامر حماية، مثل منع الاتصال، أو الإبعاد عن المنزل، وقد تصدر هذه الأوامر قبل الفصل النهائي في الشكوى، مما قد يخلق تعارضاً مع أحكام الأحوال الشخصية، خصوصا في ما يتعلق بالحضانة والرؤية.

ويُثار كذلك تساؤل شرعي حول مدى تأثير الصياغات الفضفاضة على دور الأب، والزوج، في القوامة والرعاية، والتوجيه، وهو دور أقرّه الشرع الإسلامي، كما أجاز التأديب غير المبرح في إطار التربية المشروعة، دون تعسف أو إيذاء.

ومن الجوانب المثيرة للقلق أيضاً إلزام الأفراد بالإبلاغ عن أي واقعة يُشتبه في أنها عنف أسري، مع فرض عقوبة على من يمتنع عن الإبلاغ، وهو ما قد يؤدي إلى تضخم البلاغات الناتجة عن سوء فهم، أو تقدير خاطئ للوقائع.

كما أن التوسع في اختصاصات الجهات المختصة قد يزيد من التدخل المؤسسي في شؤون الأسرة، ويجعل بعض القرارات المصيرية خاضعة لتقديرات لا تعكس دائماً حقيقة ما يجري داخل المنزل.

إن حماية ضحايا العنف الأسري هدف نبيل لا خلاف عليه، لكن نجاح أي قانون مرهون بوضوح تعريفاته، ودقة إجراءاته، وتوافر الضمانات التي تمنع إساءة استخدامه.

لذلك، فإن المطلوب اليوم هو إعادة النظر في بعض نصوص القانون، ووضع ضوابط أكثر تحديداً لمفهوم العنف الأسري، وتعزيز الوساطة الأسرية، وتشديد العقوبات، والتعويضات في حالات البلاغات الكيدية.

فالأسرة الكويتية تستحق تشريعات تحميها من العنف الحقيقي، لا قوانين قد تؤدي ـ بحسن نية ـ إلى زيادة النزاعات، وإضعاف الروابط الأسرية، وتحويل البيت إلى ساحة مفتوحة للتقاضي والخلاف.

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين حماية الأفراد وصون الأسرة، حتى يبقى القانون وسيلة للإصلاح لا سبباً في التفكك.

آخر الأخبار