في الكويت الظل ضرورة، لا تفصيلاً صغيراً نضيفه في الأخير، بعد انتهاء المباني من تخطيطها، ولا زينة على الهامش. الظل عندنا أشبه بكأس ماء بارد، يصل لمن أرهقه العطش.
تذكرك بتلك اللحظة حين تنتظر بفارغ الصبر باب الـ"مول" بعد ترجلك من السيارة هرباً من حرارة لا ترحم. الحر هنا والشمس ليسا شيئاً عابراً في يومك، هما جزء من تجربتك في الحياة، ومن ذاكرتك أيضاً.54 درجة مئوية. هذا الرقم بالتحديد سجلته الكويت يوم 21 يوليو 2016، وتحققت منه منظمة الأرصاد الجوية العالمية عند 53.9 درجة. وهو من أعلى الدرجات الموثقة حديثاً على الكرة الأرضية، والأعلى رسمياً في قارة آسيا.
والسؤال الذي يلازمنا: نحن نعرف الكثير عن آثار هذه الحرارة، فلماذا لا نعكس معرفتنا على حياتنا اليومية؟
الخطر ليس مجرد رقم في نشرة الطقس. منصة "ThinkHazard" صنّفت الحرارة في الكويت ضمن الفئة المرتفعة. ماذا يعني هذا التصنيف عملياً؟
يعني أن الإجهاد الحراري الناتج عن التعرض الطويل للحر متوقع مرة واحدة على الأقل خلال السنوات الخمس المقبلة. عبارة هادئة على الورق. جرّبها في وقت الظهيرة على شخص يقف بشكل يومي تحت الشمس مباشرة، وستتبدّل قراءتك للجملة كلياً.
الحل بسيط في فكرته: أن يكون الظل ضمن التصميم منذ البداية، لا مجرد فكرة لاحقة. مظلة عند هذا الباب، وشجرة على زاوية تساعد، نعم، لكن لا تكفي. نحتاج طريقاً مرسوماً هدفه الأول حماية المارة من الشمس والحرارة، وقبل أن نسأل: كيف نُطبّق ذلك، علينا أن نطرح سؤالاً أبسط: أين يمشي الناس فعلياً، وأين يقف الطفل وكبير السن والعامل في وقت الظهيرة؟
المقترح اسمه "خريطة الظل الوطنية". الفكرة بسيطة لكن ذكاؤها في تطبيقها. خريطة رقمية ترصد المواقع التي يتعرض فيها الناس لشمس مباشرة أكثر من غيرها، أبرزها مداخل الجمعيات والـ"مولات"، ومحطات الباصات، وكذلك الطرق القصيرة التي يقطعها الناس كل يوم ولا ينتبه لها أحد. ويمكن بناؤها بصور الأقمار الاصطناعية، وحسابات حركة الشمس، وكاميرات حرارية متنقلة، وبيانات أماكن الانتظار والحركة.
لكن الخريطة لن تنفع إن بقيت على الورق. يجب أن تتحول إلى معيار يُعتمد في تصميم أي مشروع جديد، فيُرفق بكل مشروع "تقرير ظل" يوضح موقع الظل في أشهر الصيف، وساعات الذروة بالذات. والبداية تكون من "المتر الحرج"، وهو المتر الذي يمر عليه أكبر عدد من الناس، ويتعرضون فيه للشمس بشكل متكرر.
الظل عندنا ليس مطلباً جمالياً، ولا اقتراحاً جانبياً، هو حل عملي ذكي يناسب طبيعة المكان. الشمس فوق رؤوسنا لن تتغير، لكن طريقة مواجهتها يمكن أن تتغير. وكل متر ظل وُضع في موضعه الصحيح، فهو متر رحمة ووعي وتخطيط.
الجازي خلف العارضي
إشراف الدكتور: علي الكندري- التربية البيئية