الاعتلال النفسي
من الأمور النفسية التي ارهقت الكثير من الأسر، لا سيما في الفترة الأخيرة، بسبب الحرب، وكان لها أثر في قلقهم، والاقبال الكبير على الاستشارات النفسية خصوصا الهاتفية، للإرشاد الوقاية والعلاج.
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتعوذ من الخوف والحزن، لكونهما أولى خطوات اعتلال النفس، وعليه فإن أول اضطراب نفسي عرضي للإنسان هو شعوره بـ"الخوف"، إثر مثير معين، أو من المجهول، فينتاب الفرد تبعات الخوف من قلق وتوتر وشك، وفزع وأرق وضعف، ومن ثم تأتي المرحلة الثانية المتقدمة للاضطراب النفسي (الحزن)، وهو نتيجة إثر مصيبة أو كرب أو فقد. في قوله تعالى: "فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني" (القصص: 7)، فالخوف من المجهول بداية الاعتلال النفسي، ومن ثم يأتي الحزن كمرحلة ثانوية، وذلك ما يشير له في الترتيب والتنسيق لمساق السرد القرآني والإعجازي في بيان حقائق الأمور.
فالإعجاز القرآني في اعتلال الشعور: الخوف كمرحلة أولية ومن ثم الحزن، وما بعد الحزن متاهات الاضطراب النفسي والعقلي، في قوله تعالى: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة: 38)، وفي قوله تعالى: (لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة: 262)، والكثير من الإشارات القرآنية.
وعليه، فالدلالة القرآنية تشير إلى أن اعتلال الشعور يأتي في بدايته إيجابيا، وليس سلبيا، كما يعتقد البشر، ومن ثم يتدرج إلى العرض المضطرب، وليس المرض النفسي، فعلى سبيل المثال: الخوف يكون في بدايته إيجابياً كمرحلة أولية طبيعية، في قوله تعالى:"هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال" (الرعد: 12)، فلولا الخوف من البرق، وطمعا في بركة الخالق ورزقه، لما رجعت النفس الغافلة لصوابها بعد انحرافها عن الحق، ولما تقرب العبد لله في الدعاء والعبادة.
كما أن الحزن من تبعاته الكآبة أي من الاكتئاب، فبقية الأمراض النفسية، والاضطرابات العقلية الموجودة على ساحة الأمراض النفسية المعاصرة، هي من أصل الحزن، فهو أساس الاكتئاب الذي هو أصل جميع الأمراض النفسية، والاضطرابات العقلية والسلوكية.
وفي التدبر القرآني للآيات الكريمة نجد الآية التي تدعو أم سيدنا موسى (عليه الصلاة والسلام) عندما قيل لها في قوله تعالى: "فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني" (القصص: 7)، أي تدرج اعتلال الشعور من خوف إيجابي في البحث عن حل للمشكلة، فالخوف وتبعاته الشعورية هو قدر من أجل البقاء، إذ البناء النفسي واكتساب الخبرات، وتعزيز الإيمانيات التي نغفل عنها، تلك إشارة القرآن للتعامل مع اعتلال الشعور.
فالنفس البشرية موكلة بالبلاء في قوله تعالى:"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إلية راجعون" (البقرة:155-156).
فوقفة تأمل مع الآية الكريمة لبيان أن اعتلال الشعور بلاء موكل ببني آدم، إنما بشكل إيجابي لا سلبي، فلولا البلاء لما تحققت قوة النفس وبنائها، ونشاط الدماغ، وتعزيز كيماويته الذي يبدع بها في إيجاد الحلول، وحل المشكلات، على عكس النفس البشرية المرتاحة تماماً، بلا بلاء فهي مسقمه نفسيا مختله بكيمياء دماغها.
كاتبة كويتية