"أمس، كانت المنطقة على حافة الانفجار"... هذا ما ورد على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قال في تغريدة له على منصة "تروث سوشيال": "لقد طلب مني أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، إرجاء هجومنا العسكري المخطط له ضد إيران، والذي كان مقرراً يوم غد (أمس)، نظراً لأن مفاوضات جادة تجري الآن".
جيد أن وقف الهجوم جاء بطلب من قادة دول خليجية، تدرك حكوماتهم أن أي هجوم على إيران سيتسبب في زيادة الأزمة تعقيداً، وهي تدرك أكثر أن الشعب الإيراني المظلوم، يعيش تحت قمع ممنهج، منذ 47 سنة، وأن أي خطوة ناقصة ستكون لها تداعيات على المنطقة، لذا عملت على وقف هذا الهجوم الكبير، رغبة في إفساح المجال أمام الاتصالات الديبلوماسية.
هذا الجانب الإيجابي الخليجي، للأسف، تقابله طهران، ومنذ خمسة عقود، بالمزيد من التعنت، والغطرسة، أي تقابل الحسنة بالسيئة، وهذا ديدنها، لكن كما يقال في عالم السياسة "ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، هناك مصالح دائمة"، ومن مصلحة دول الخليج، وكذلك من مصلحة الشعب الإيراني، وقف الحرب، بعيداً عن مصالح أركان النظام، الظاهر منهم والمتخفي خلف بيانات تزيد الشك أصلاً في قدرة رأس الهرم على ممارسة عمله، وهذا ما يطرح الكثير من الأسئلة عن جوهر التعنت المستمر بعدم الوصول إلى حلول.
الجميع يعرف أن النظام لا تهمه مصالح شعبه، فالتاريخ يحفظ الكثير من المآسي التي تسبب بها، فمنذ بداية حكمه عمل على قتل الآلاف من المعارضين، وأشهر الحوادث إعدام ما يزيد على ثلاثين ألف معارض، حكم عليهم الرئيس السابق، المقتول في حادث طائرة، إبراهيم رئيسي، حين كان قاضياً لـ"محكمة الثورة"، بينما بعد حرب الـ 12 يوماً في العام الماضي قتل في انتفاضة الشعب على الأوضاع المعيشية نحو 32 ألف محتج.
لذا، فإن هذا النظام لا يقيم وزناً لشعبه، ولا يحترم تعهداته مع دول الجوار، التي تحاول قدر الإمكان، ومن موقع القوة وليس الضعف، أن تمنع انهيار دولة جارة، لما يسببه ذلك من فوضى إقليمية.
لكن في المقابل، يستمر نظام طهران بالنهج الإرهابي، ليس في الداخل، بل بعموم المنطقة، لبنان، والعراق، واليمن، وزرع الخلايا في البحرين والكويت والإمارات والسعودية.
إن الدولة المارقة لا يزال قادة نظامها يعيشون في كهوف تخلف القرون الوسطى، لذا ليس له حل إلا الاقتلاع من جذوره، وذلك يتم عبر تحرك داخلي، ولعل الشعب الإيراني العظيم، بات اليوم أكثر قدرة على ذلك، بعد الضعف الذي تسببت به الحرب الأخيرة، لأن سُنة الحياة لخصها الشاعر أبوالطيب المتنبي: "وما مِن يدٍ إِلا يدُ اللهِ فوقها... ولا ظالم إلا سيُبلى بأظلمِ".
في المقابل، لقد عُرف العرب، لا سيما أهل الخليج، بالصبر وتبصر الأمور بحكمة، جراء قسوة الطقس في بلدانهم، وهم يعملون بقاعدة "الصبر مرير، لكن عاقبته حلوة"، لذا فإن الطلب من ترامب وقف الهجوم له فوائد عدة، أهمها أن اليوم التالي لوقف الحرب، أياً كان الاتفاق، سيؤدي إلى اشتعال الداخل الإيراني، وبذلك لن تكون هناك أي خسائر إقليمية، فالتغيير وفق ما هو منظور متوقع في أركان النظام بلا فوضى.