عند الحديث عن قوانين التحكيم العربية، نجد أنها قطعت شوطاً كبيراً في مواكبة "قانون اليونيسترال النموذجي". ومع ذلك، تظل هناك "ثغرات تقنية" صغيرة في الصياغة، قد تؤدي إلى عرقلة العدالة، أو إطالة أمد النزاع. إليك ملاحظات انتقادية تركز على مسألة "تحديد سقف زمني لرد المحكم"، وهي نقطة غالباً ما تحتاج إلى تعديل بسيط لكنه جوهري. جمود المواعيد في رد المحكم: عندما يتحول النص القانوني إلى عائق إجرائي، يُعتبر التحكيم "قضاء الاتفاق والسرعة"، إلا أن بعض النصوص التشريعية في قوانين التحكيم الحالية تتبنى صرامة إجرائية، تتناقض مع مرونة العملية التحكيمية ذاتها، وتحديداً في المسألة المتعلقة بـ طلب رد المحكم.
أولاً: مكمن الخلل (المادة محل الانتقاد)، تنص معظم القوانين على أنه يجب تقديم طلب الرد خلال 15 يوماً من تاريخ علم الخصم بتعيين المحكم، أو بالظروف الموجبة للرد. وإذا رُفض الطلب من هيئة التحكيم، أو الجهة المختصة، يملك الخصم حق اللجوء للقضاء خلال مدة محددة (غالباً 30 يوماً).
النقد: المشكلة ليست في المبدأ، بل في "بدء سريان الميعاد" و"أثر الطعن على سير الخصومة".
النص الحالي غالباً ما يغفل حالات "الشكوك اللاحقة" التي قد تظهر بعد فوات الميعاد الأولى، أو يمنح الطرف "سيئ النية" فرصة لتعطيل التحكيم لاشهر بحجة انتظار حكم القضاء في طلب الرد.
ثانياً: لماذا يحتاج النص إلى تعديل؟
1 - التعسف في استخدام الحق: في غياب نص يمنع "وقف التنفيذ" تلقائياً عند الطعن في قرار الرد، يقدم الخصم المعرقل طلبات رد كيدية لمجرد كسب الوقت.
2 - ضيق المواعيد: مدة 15 يوماً قد تكون غير كافية في النزاعات الدولية المعقدة للتحقق من سجل المحكم، وعلاقاته المتشعبة (Conflict of Interest). ثالثاً: التعديل المقترح (صياغة مرنة)، بدلاً من النص الجامد، نقترح إضافة "فقرة احترازية" توازن بين حق الدفاع وحماية فاعلية التحكيم: النص المقترح: لا يترتب على تقديم طلب الرد، أو الطعن في القرار الصادر برفضه أمام المحكمة المختصة، وقف إجراءات التحكيم. وللهيئة أن تستمر في إجراءاتها وصولاً إلى صدور حكم المنهي للخصومة، ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك لأسباب جدية.
رابعاً: الأثر المتوقع للتعديل
هذا التعديل "البسيط" في الصياغة يحقق نتائج كبرى: قطع الطريق على المماطلة: لن يضمن الطرف المعرقل توقف القضية بمجرد تقديم طلب رد
هيبة هيئة التحكيم: تظل الهيئة مسيطرة على الجدول الزمني للنزاع.
الاقتصاد الإجرائي: حصر رقابة القضاء في المرحلة اللاحقة لصدور الحكم، بدلاً من التدخل في كل تفصيل إجرائي أثناء سير الدعوى.
إن تعديل جملة واحدة في قانون التحكيم قد يوفر على أطراف النزاع سنوات من التقاضي أمام المحاكم الوطنية. إن التحكيم وُجد ليهرب من شكليات القضاء، فلا ينبغي للقانون أن يعيده إليها من باب "رد المحكم".
بندر فلاح الرشيدي
كلية الدراسات التجارية - تخصص قانون