مرة أخرى، تُبدي دول مجلس التعاون الخليجي الكثير من الحرص على استقرار المنطقة، وعدم جرّها إلى أي مواجهات تدفع الإقليم إلى هاوية الصراعات العبثية، ومرة أخرى يوضع النظام الإيراني أمام الامتحان الصعب، والسؤال الكبير: هل يمكنه الالتزام بالتعهدات والضمانات التي يضمها اتفاق المبادئ المعلن بينه وبين الولايات المتحدة، والذي باركته دول الخليج، أم أنه سينقضها كالعادة؟
هذا السؤال يدفع إلى أسئلة أخرى عدة، أهمها: هل تتخلى طهران عن أذرعها في المنطقة، وتسلك سلوك الدولة السليم، أم أنها ستبقي على تلك العصابات لإقلاق الوضع الإقليمي، وهل التهديد باستخدام مضيق هرمز كسلاح ابتزاز سيتوقف، أم أنها ستستمر في تهديد الدول الجارة لها والمطلة على الخليج العربي التي لا شريان لها إلا الممر الحيوي؟
هنا لا بد من توصيف واقعي للذهنية الفارسية، رغم أننا تحدثنا عنها طويلاً في الأسابيع الماضية، لكن باختصار، إن الفرس يعمدون إلى الغدر عند أقرب فرصة، وهم يعملون وفق إخفاء النوايا الحقيقية عبر تجميل العبارات، وفي هذا الشأن، نتذكر أنه عندما وافق الخميني على "تجرع كأس السم" في العام 1988، والقبول بوقف الحرب العراقية - الإيرانية، عمل سريعاً على فتح خزائن النظام للعصابات الممولة من إيران، وساعدها على الكثير من الأعمال الإرهابية، وبث الخلايا النائمة في عموم العالم العربي.
بذلك، عمل على قبول إنهاء الحرب علناً، لكنه غلّف الغدر بالنوايا الحسنة، لذا فإن الاتفاق المرحلي الحالي بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والهدنة التي تستمر 60 يوماً فيها الكثير من الثغرات التي يمكن أن ينفد منها "الحرس الثوري" إلى أعمال إرهابية تؤثر في استقرار المنطقة، لا سيما أن الدولة الإيرانية اليوم تبدو جلياً أنها برؤوس عدة، كل واحد يسعى إلى فرض إرادته على الأطراف الأخرى.
تأكيداً لذلك، فإن أولى الإشكاليات برزت سريعاً من طهران بإعلانها عدم تسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وهذا التسريب بحد ذاته يعني نقض الاتفاق، قبل أن يولد رسمياً، ويجعل التفاهمات غير جدية.
في علم الديبلوماسية، ثمة قاعدة معروفة، وهي "كيف تقول نعم وأنت تقصد لا"، وهذا ما يستخدمه النظام الإيراني منذ 47 عاماً، وكذلك تنصله من المسؤولية عن الأعمال الإرهابية التي ارتكبتها ميليشيات تابعة له، تحت شعار "إننا ندعم المقاومة لكن قرارها مستقل"، بينما الحقائق كافة دلت، ومنذ خمسة عقود، على أن التفجيرات وخطف الطائرات، والاعتداء على سفراء خليجيين، وكذلك بعض السفارات، كانت بأمر من طهران.
نعم، يمكن أن يصاغ الاتفاق الحالي بالكثير من العبارات الديبلوماسية، لكن في النهاية يبقى الأمر مرهوناً بالعقلية التي تفسر الكلمات، لا سيما أن المتوافق عليه اليوم فيه الكثير من العبارات الغامضة وهي حمّالة أوجه، وبالتالي ليست هناك أي ضمانة لعدم تكرار السلوك الإرهابي الإيراني.
أياً كان الأمر، فإن دول "مجلس التعاون" أبدت حُسن النية مرة أخرى، فهل تتلقف إيران ذلك، وتعمل على الاستفادة من الفرصة الخليجية الحالية، التي لن تتكرر مرة أخرى، لا سيما بعد أن شن النظام الفارسي مئات الهجمات على هذه الدول في الحرب الأخيرة، لأن إعادة بناء الثقة لا تقبل المراوغة؟