يبدو أن الشعب الإيراني قد ابتُلي، بأنظمة حكم تُغرقه في استدعاء سرديات تاريخية مؤدلجة، وتستفز فيه النزعة القومية، عبر إعادة قراءة انتقائية للماضي، وتقحمه في مغامرات وحروب خارجية، فتُبدّد طاقاته وتُشتّت اهتمامه بعيداً عن أولوياته الحقيقية ومصالحه الوطنية.
ولعلّ نظام الحكم الحالي قد تجاوز كثيراً من الأنظمة التي سبقته، بعدما فتح على إيران جبهات توتر، وعداء مع عدد كبير من دول العالم. غير أن الأخطر، بالنسبة إلينا في دول الخليج العربية، هو حالة الاستياء والتذمر التي تعمّقت اخيراً لدى حكومات وشعوب المنطقة ضد هذا النظام، بعد تعرّضها لاعتداءات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استمرت أكثر 40 يوماً، ولا تزال آثارها وتداعياتها مستمرة حتى اليوم.
وقد بلغ التصعيد ذروته قبل أيام باستهداف "محطة براكة" للطاقة النووية السلمية في أبوظبي، وهي حادثة خطيرة كان يمكن أن تؤدي إلى كارثة إقليمية واسعة، لولا أن الأضرار اقتصرت، لحسن الحظ، على اندلاع حريق في مولّد كهربائي خارج المحطة.
وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، تتابع دول الخليج، شعوباً وحكومات، بترقب وقلق بالغ المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، آملة أن تفضي إلى إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب التي أنهكت المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تنظر بقلق وريبة إلى أسلوب المماطلة، والمساومة، الذي يتقنه النظام الإيراني، وكأنه لا يزال يعتقد أن فن حياكة السجاد تصلح أيضاً لإدارة الأزمات الكبرى، بينما الواقع يقول إن الاستمرار في هذا النهج لم يعد مجرد لعبة سياسية، بل لعبٌ بالنار.
إدارة الدول والأزمات لا تقوم على المراوغة وحدها، ولا على القدرة على الاحتمال إلى ما لا نهاية، بل على حسن تقدير الموازين، وقراءة التحولات، ومعرفة اللحظة التي ينبغي فيها التراجع، قبل الوصول إلى حافة الهاوية.
وللأسف، فإن التاريخ الإيراني نفسه مليء بمحطات دفعت فيها البلاد أثماناً باهظة بسبب سوء التقدير السياسي، والشعور المفرط بالعظمة، والإصرار على المكابرة.
أبرز مثال معاصر على ذلك كان الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980. فبعد عامين من اندلاعها تمكنت إيران من استعادة أراضيها التي احتلها العراق، وطُرحت أكثر من مبادرة لوقف القتال، لكن القيادة الإيرانية، آنذاك، أصرت على مواصلة الحرب، رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة.
استمرت الحرب ست سنوات أخرى، أي ثماني سنوات، وسقط خلالها أكثر من مليون قتيل وجريح، واستنزفت مقدرات البلدين، قبل أن يضطر الإمام الخميني إلى قبول وقف إطلاق النار عام 1988، واصفاً ذلك بأنه "تجرع لكأس السم".
المشكلة أن النظام الإيراني الحالي يبدو وكأنه لم يستوعب الدرس بالكامل، فما زال يتعامل بعقلية التوسع، و"تصدير الثورة"، وبناء الأذرع العابرة للحدود، والتدخل في شؤون الدول الأخرى.
والنتيجة أن دول الخليج العربية، التي يفترض أن تكون الشريك الطبيعي لإيران بحكم الجغرافيا والتاريخ، والمصالح الاقتصادية، أصبحت تنظر بقلق بالغ إلى سياساتها.
لقد تعرضت هذه الدول اخيراً لاعتداءات مباشرة، وعاشت تحت تهديد أمني غير مسبوق، فيما يستمر إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط ،وابتزاز تمس الاقتصاد العالمي بأسره.
وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد خلاف سياسي؛ إنما تتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي ولأمن الشعوب.
التاريخ يعلمنا أيضاً أن الغرور السياسي كثيراً ما يقود إلى نتائج كارثية. فالإمبراطور الفارسي زيركسيس الأول، عندما قاد حملته الشهيرة ضد اليونان عام 480 قبل الميلاد، تجاهل نصائح مستشاريه، واندفع بثقة مفرطة نحو معركة "سلاميس" البحرية، فكانت النتيجة هزيمة قاسية.
وفي التاريخ الحديث، تكفي الإشارة إلى الحروب الصفوية - العثمانية، ثم الحروب القاجارية - الروسية، وما انتهت إليه من خسائر إقليمية وسياسية كبيرة لإيران، بسبب سوء الحسابات، والإصرار على سياسات تفوق قدرات الدولة الحقيقية.
ولا يعني استحضار هذه الوقائع التاريخية الشماتة بإيران أو الإساءة إلى شعبها، فهو أكبر ضحايا هذا النظام، وهو عريق ومثقف، وله إسهامات حضارية وإنسانية كبيرة. كما أن العلاقات بين العرب والإيرانيين تاريخياً لم تكن حروباً وصراعات فقط، بل شهدت أيضاً مراحل طويلة من التفاعل والتجارة، والتعايش، والمشكلة اليوم تكمن في السياسات التي ينتهجها النظام.
فالجغرافيا تفرض علينا التعايش، والتاريخ يفرض علينا التعاون، والمستقبل يفرض البحث عن صيغة استقرار دائم في هذه المنطقة الحساسة من العالم. غير أن ذلك لن يتحقق ما دامت سياسة التوسع، وفرض النفوذ، وتصدير الأزمات، واستخدام الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة، هي اللغة السائدة.
إن دول الخليج العربية لا تبحث عن حرب، ولا تريد إسقاط إيران، ولا تتمنى للشعب الإيراني إلا الأمن والاستقرار والازدهار. لكنها، في المقابل، لا تستطيع أن تقبل بأن تبقى رهينة لسياسات المغامرة والتصعيد والابتزاز.
ولهذا، فإن الأمل الحقيقي اليوم لا يكمن في إطالة أمد التفاوض، أو إتقان فنون المراوغة، بل أن تدرك القيادة الإيرانية أن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من اللعب بالنار؛ فحياكة السجاد قد تكون فناً رائعاً، لكن إدارة الأوطان تحتاج دائماً إلى "الحكمة".
وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً