الخبير طفّى تليفونه، وحطه بجنب كوباية الشاي، على الطاولة ببطء، ووسط سكوت اهل الديوانية، لدرجة ان المكيف صار يطلع هواء بهيبة!
ثم قال بصوت واحد شاف الدنيا كلها، وخسر أمام بند إيقاف القيد: اسمعوا الحدوته عدل، عشان اللي صار مع نادي الزمالك مو بطولة، اللي صار قضية إعجاز رياضي، تحتاج لجنة تفسير احلام من الأمم المتحدة وملحقاتها.
ثم شبك يدينه، ومال لقدام وقال: يا جماعة الزمالك دخل الموسم وهو مفلس، لدرجة لو اللاعب طلب مستحقاته الإدارة يمكن تديله كرت مشتروات لسوبرماركت، وبلحه، وعلبة مية زمزم.
ضحك المعاق، لكن الخبير رفع إصبعه، وقال: عفوا لا تضحك أنا بتكلم عن نادي كان كل أسبوع تجيله أزمة، وكل يوم بيان، وكل ساعة إشاعة، وجمهوره عايش على أجهزة دعم نفسي، ومقاطع تحفيزية، ثم ضرب التخت وقال: ومع كل ده ينزل الملعب، وكأنه جيش داخل معركة بقاء.
الشايب هنا تنهد وقال: مدرسة الفن والهندسة، تمرض ولا تموت.
الخبير ادالوه بصه وقال: تمرض ايه؟ يا حج المدرسة دخلت الإنعاش، والدكاترة كتبوا تقرير: الحالة مستعصية ومستحيلة. وفجأة وقفت على رجليها شايلة الدوري، وتقول: حد عنده اعتراض، لا سمح الله؟
ثم اعتدل بجلسته وقال: الزمالك السنة دي ما كنش فريق كرة، ده كان مسلسل رعب نفسي أسبوعي. المشجع يفتح عينه الصبح يلقي إيقاف قيد، والظهر أزمة مالية، العصر خناقة إدارية، بالليل سحب ارض وبيع لعيبه.
ثم أشار بإصبعه كأنه يشرح فلسفة الحياة: أي نادي طبيعي يمر بربع اللي مر فيه الفريق، زمان جمهوره غيّر هوايته، وأصبح يربي حمام، لكن الزملكاوي كائن عجيب، كل ما الدنيا تكسره، يطلع ثاني يوم لابس الأبيض، ويقول: اووه زملكاوي.
المعاق قال: يعني جمهور عاشق للكيان؟
الخبير قال: وولهان وما بيشجعش بظهره. يا حبيبي الجمهور ده لو تحطوه في حرب نفسية، يطلع منها يبيع فشار للعدو.
ثم وقف فجأة، وقال بصوت يهز الديوانية: الزمالك بطل الدوري من غير فلوس، من غير استقرار، وهدوء بفرقة نصها ناشئين، ونصها الثاني مصاب، ولعيبة تتعرف على بعض في النفق: اسمك إيه يا كابتن؟ يقوله: ده مش وقت تعارف خلينا بالاول نجيب البطولة.
ثم رفع الاستكانة الفاضية، وقال: وفي الاخر يطلع لك واحد راسه مربع بيسأل: ازاي أخذوا الدوري؟ أقول له أخذوه بالعند، بالقهر، بالعشق، وبجمهور كل ما الحياة تلطش فيه يقول: مش النهاردة.
ثم ابتسم الخبير ابتسامة المنتصر، وقال: عشان كدا الزملكاوي مش مجرد مشجع.
الزملكاوي مشروع مقاومة كامل، إنسان عاش كوارث كروية تكفي لصناعة ثلاث مواسم وثائقيات على نتفلكس وناشونال جغرافيتك، ومع كل كده ماشي رافع راسه ويقول: أنا بطل الدوري انت مين ياله؟ ومليون مبروك للزمالك عشان هو اللي استقبل الهليكوبتر.
الشايب قال: الزمالك هذا الموسم ما كان يلعب على الدوري، كان يلعب ضد المنطق نفسه.
قال المتمولس وهو يضحك: الدوري في ميت عقبة، وحسره عليك يلي في بالي، لا طولت اول ولا ثاني!
وفي هذه الأثناء، ارتفع أذان الظهر، وكأن الشيخ زغلول بنفسه أعلن نهاية موسم المعاناة، وبداية الاحتفالات.
كاتب كويتي