لبنان لإسرائيل: استهداف بيروت يضع التفاوض في مهب الريح
لا تعير السلطة اللبنانية اهتماماً لاعتراضات "حزب الله" المتصاعدة على مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، حيث غادر الوفد العسكري الذي يمثل الجيش اللبناني بيروت، أمس، متوجهاً إلى العاصمة الأميركية واشنطن، للمشاركة في الاجتماع الأمني مع الجانب الإسرائيلي، في مبنى "البنتاغون"، على أن يتبعه اجتماع سياسي في الثاني والثالث من الشهر المقبل، للبحث في إمكانية التوصل إلى اتفاقات أمنية بين لبنان وإسرائيل، ومن ثم تفاهمات سياسية، تساعد على تخفيف حدة الحرب الإسرائيلية على المناطق اللبنانية، والتي شهدت تصعيداً غير مسبوق في الساعات والأيام القليلة الماضية.
وعشية مغادرته بيروت، اجتمع الرئيس اللبناني جوزاف عون بالوفد العسكري التقني بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وأعطى توجيهاته قبيل سفره.
وفي ظل إصرار لبنان على سلوك طريق التفاوض المباشر الذي يحظى بدعم سياسي وشعبي واسع، لم يجد "حزب الله" وسيلة لزيادة الضغط على حكومة لبنان، في محاولة منه لدفعها إلى مراجعة قرارها بالتفاوض، إلا من خلال تهديد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم بإسقاط الحكومة من خلال الشارع، وهو خيار جدي يجري التحضير له في دوائر القرار داخل"الحزب"، في حال لم تثمر الضغوطات السياسية التي يقوم بها عن النتائج المتوخاة.
وإذ اعتبرت أوساط المعارضة الشيعية أن "حزب الله لن يتردد في إثارة الفوضى في وجه الحكومة والسلطة، إذا وجد أنه وصل إلى الطريق المسدود"، فإنها أكدت ل"السياسة"، أن "هذا الحزب لم يتعلم الدرس من تجارب الماضي، عندما ساهم في خياراته الصدامية بإيصال البلد إلى ما وصل إليه من انهيار شامل على مختلف الأصعدة"، مشددة على أنه "كان الأجدر بالأمين العام لحزب الله، أن يطلب من وزيريه في الحكومة الاستقالة، قبل أن يهدد بإسقاطها، فيما هو وحزبه يضربان عرض الحائط مصالح لبنان وشعبه، عندما يقرران زج لبنان في حروب الآخرين، خدمة لإيران ومصالحها على حساب الشعب اللبناني ومصالحه. وهذا أمر ما عاد ممكناً السكوت عنه".
وإذ بدا لافتاً اشتداد وتيرة الحرب الإسرائيلية على لبنان قبل أيام قليلة من اجتماعات واشنطن العسكرية والسياسة، فإن أوساطاً حكومية لبنانية أكدت ل"السياسة" أن "تصعيد إسرائيل المرتفع في الساعات الماضية، ما هو إلا محاولة من جانب الاحتلال لفرض أمر واقع جديد بالنار، في مقابل وجود إصرار لبناني حازم في ضرورة أن تخرج اجتماعات واشنطن المرتقبة، بقرارات واضحة وجدية، لناحية ضرورة أن تلتزم إسرائيل بوقف النار على الجبهة مع لبنان. وهو ما شدد عليه المسؤولون اللبنانيون الذين التقوا الوفد اللبناني المفاوض قبل توجهه إلى العاصمة الأميركية. كذلك ما تم إبلاغه للجانب الأميركي عبر سفارة واشنطن لدى بيروت"، بهدف أن تدخل الجبهة الجنوبية، ومعها بقية المناطق اللبنانية مرحلة تهدئة تمهّد لجولة تفاوضية جديدة ضمن المسار السياسي في واشنطن خلال يومي الثاني والثالث من يونيو المقبل، لكن إسرائيل في المقابل، واصلت توسيع رقعة عدوانها على لبنان، مهددة بالعودة لقصف العاصمة اللبنانية بيروت، ومن خلال غاراتها التي طالت النبطية وصور والبقاع، وإنذاراتها المتزايدة بالإخلاءات على نطاق واسع، إضافة إلى توسيع دائرة استهدافاتها التي شملت منشآت مدنية خدماتية ومواقع، تقول إسرائيل إنها مرتبطة ببنية "حزب الله" العسكرية. ويأتي هذا التصعيد الإسرائيلي، وسط حركة أمريكية واسعة تجمع بين تثبيت التهدئة في جنوب لبنان، ومتابعة التفاهم المحتمل مع إيران حول الحرب ومضيق هرمز والبرنامج النووي وحدود النفوذ الإقليمي.
وإزاء وجود توجه لدى القادة الإسرائيليين لتوسيع نطاق الحرب على لبنان، بعد فشل جيش الاحتلال في التصدي لهجمات مسيرات "حزب الله"، فإن لبنان يخشى وفقاً لمعلومات "السياسة" من أن تنجح إسرائيل في تجاوز الخط الأحمر الذي سبق ووضعته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، بالتالي تعاود هجماتها لاستهداف هذه المنطقة مجدداً، وهو أمر لا يسقطه لبنان من حساباته، لكن مجرد إقدام الاحتلال على قصف بيروت مجدداً، من شأنه أن يضع مصير المفاوضات في مهب الريح، باعتبار أن لبنان لا يمكن أن يقبل باستمرار المفاوضات، إذا عاد الجيش الإسرائيلي لاستهداف عاصمته وضاحيتها الجنوبية، بذريعة مهاجمة مراكز "حزب الله" وبناه التحتية.
وأشارت المعلومات، إلى أن حكومة لبنان القلقة من نوايا إسرائيل العدوانية، أجرت اتصالات مع الجانب الأميركي للحصول منه على ضمانات تؤكد استمرار واشنطن في التمسك بخطوطها الحمر التي وضعتها أمام إسرائيل، لمنعها من العودة لاستهداف العاصمة اللبنانية، وتأتي هذه التطورات المفتوحة على كل الاحتمالات، في ظل سعي إيراني مستمر للإمساك بالورقة اللبنانية، حيث بعث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالتين إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، هنأهما فيهما بمناسبة عيد المقاومة والتحرير، مستحضرًا ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. وأكد عراقجي في رسالتيه "دعم إيران المستمر والحازم لاستقلال لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، وللمقاومة المشروعة للشعب اللبناني". كما شدد وزير الخارجية الإيراني على أهمية ما وصفه بـ"الانتصار التاريخي للشعب اللبناني في طرد الكيان الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000".