الأربعاء 27 مايو 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
جهاز موازٍ للنيابة العامة
play icon
كل الآراء

جهاز موازٍ للنيابة العامة

Time
الثلاثاء 26 مايو 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

لا شك أن حماية ضحايا العنف الأسري تعتبر هدفاً مشروعاً لا خلاف عليه، إلا أن تحقيقها يجب ألا يكون على حساب الضمانات القانونية الأساسية، أو عبر خلق مسارات موازية للتحقيق غير مؤهلة مما يثير إشكالات قانونية وحقوقية واسعة.

فالتسرع في تشريع التعديلات الأخيرة على قانون العنف الأسري، للأسف، أفرز واقعاً جديداً، إذ منح بعض الجهات الإدارية، متمثلة في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، والباحثات الاجتماعيات أدواراً تتجاوز الإرشاد الاجتماعي، إلى ما يشبه التحقيق في وقائع ترقى إلى مستوى الجنح، أو الجرائم، لا سيما أن بعض شكاوى العنف الأسري، قد تتضمن اتهامات تمس الشرف، أو السمعة، أو تتعلق بادعاءات خطيرة ذات آثار قانونية واجتماعية جسيمة.

أقرت التعديلات آلية جديدة للتعامل مع شكاوى العنف الأسري، عبر استحداث ما يسمى "الخط الساخن"، تابع للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة، لتلقي الشكاوى التي يحيلها إلى إدارة مراكز الحماية التابعة للمجلس، بدلا من توجه الشاكي مباشرة إلى النيابة العامة، التي تباشر التحقيق وتصدر قراراتها وفقا لاختصاصها وضماناتها القانونية، إلا أن التعديل الجديد جعل مسار الشكاوى يبدأ لدى باحثات اجتماعيات تابعات للمجلس الأعلى غير المؤهلات لإجراء تحقيقات من هذا النوع، والتي تتطلب خبرة في تقييم الأدلة، وسماع الأقوال، وضمان حقوق الأطراف، وهي أمور تعد من صميم اختصاص جهات التحقيق القضائية، لا سيما أن العمل الاجتماعي يختلف بطبيعته عن التحقيقات القانونية التي قد يترتب عليها آثار تمس السمعة، والاعتبار والمركز القانوني للأفراد.

ومن ثم تنظر الباحثات في تلك الشكاوى، واتخاذ التوصيات المناسبة سواء بالحفظ، أو الإحالة إلى النيابة العامة، ويُعد هذا الإجراء في حقيقته استبعادا للنيابة العامة من المشهد، منذ المراحل الأولى للتعامل مع هذه الشكاوى، مما يخلق جهازاً موازياً للنيابة تابعاً للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة، بما لا يخدم شكاوى العنف الأسري، أو يحقق الغاية المرجوة من تعديلات قانون العنف الأسري، لأن التحقيق في مثل هذه الوقائع يجب أن يظل من اختصاص النيابة العامة، وحدها لما تتمتع به من خبرات قانونية متخصصة، وكوادر مؤهلة، وسلطات تحقيق مقررة قانوناً، فضلاً عن الضمانات الإجرائية التي تكفل سماع أقوال جميع الأطراف، وجمع التحريات اللازمة، وتقييم الأدلة، والتحقق من جديتها؛ وصولا إلى تحقيق العدالة، وترسيخ الثقة في نتائج التحقيق.

أما إسناد مهمات ذات طابع قضائي إلى باحثات اجتماعيات لتأدية دور النيابة العامة فإنه يقوض اجراءات التحقيق، خصوصا أن طبيعة عملهن اجتماعية وإرشادية، وليست قضائية، فضلاً عن وجود نيابة مختصة بشؤون الأسرة؛ أُنشئت أصلا للتعامل مع هذا النوع من القضايا، بحكم اختصاصها وخبرتها.

كما أن الإشكالية أيضاً تكمن في حال صدور قرار بالحفظ، إذ يمتنع المجلس الأعلى عن تسليم المشكو في حقه ما يفيد بحفظ الشكوى، أو عدم ثبوتها! الأمر الذي يحد من قدرته على اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لرد اعتباره، وهو ما يفتح الباب أمام استغلال هذا المسار من بعض مقدمي الشكاوى، ليقينهم بعدم ترتب أي مساءلة عليهم، حال عدم ثبوت صحة ادعاءاتهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى استسهال التبليغ، وما يترتب على ذلك من آثار تمس سمعة المشكو في حقهم دون رادع يمنع الشاكي من الاسترسال في شكواه الكيدية.

واللافت أن المبرر الذي يُطرح أحيانا لرفض تسليم ما يفيد بحفظ الشكوى هو "سرية الإجراءات"! فكيف تصبح الشكوى سرية بعد سلسلة من الاستدعاءات، والمراجعات، والاتصالات والتحقيقات؛ التي قد يترتب عليها عمليا المساس بسمعة المشكو في حقه داخل محيطه الأسري والاجتماعي والوظيفي؟

حماية السرية يجب أن تكون وسيلة لحفظ الحقوق، وليست سبباً في حرمان أحد الأطراف من إثبات براءته، أو رد اعتباره.

ولذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر في بعض آليات تطبيق قانون العنف الأسري، ووضع ضوابط أوضح، تفصل بين الدورين الاجتماعي والقضائي، مع ضمان حق جميع الأطراف في الحصول على المستندات الرسمية التي تحفظ حقوقهم القانونية، وتمكنهم من اللجوء إلى القضاء عند التعسف في استخدام الشكوى، أو الكيدية.

بيد أن حماية الأسرة لا تتحقق بتوسيع دائرة الاتهامات، أو خلق مسارات موازية للتحقيق، إنما من خلال بناء منظومة متوازنة تكفل حماية الضحايا، وفي الوقت ذاته تصون الحقوق والحريات والاعتبارات الشخصية، بما يعزز الثقة في القانون، ويحول دون تحوله مصدراً جديداً لتعقيد النزاعات الأسرية، على نحو ينعكس سلباً على المجتمع بأكمله، وإن كان لا بد من الإبقاء على هذه التعديلات، وآلية الخط الساخن المستحدثة؛ فإن الحل الأكثر اتزانا يتمثل في انتداب جهاز متكامل من النيابة العامة للعمل داخل المجلس الأعلى، بحيث تتولى جهة قضائية مختصة مباشرة التحقيقات منذ بدايتها، بما يضمن فحص الشكاوى بصورة قانونية شاملة، ويحقق التوازن بين سرعة التدخل، وكفاءة التحقيق، وترسيخ العدالة بين جميع الأطراف، وأيضاً للحد من التوسع غير المبرر في تقديم الشكاوى، في ظل غياب المساءلة الذي يشجع على التمادي في تقديم البلاغات؛ التي أغلبها قد تكون بلاغات كيدية.

آخر الأخبار