الأربعاء 27 مايو 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
تقارير 'الاستدامة'.. بين الآمال والامتثال!
play icon
كل الآراء

تقارير "الاستدامة".. بين الآمال والامتثال!

Time
الثلاثاء 26 مايو 2026
د.سامي العدواني

بدأت العديد من الجهات إنتاج تقارير الاستدامة، بعد أن انتهت من تقاريرها السنوية، وعقد جمعياتها العمومية، ويتزامن تقديم هذه التقارير في العادة قبل المنتدى رفيع المستوى للأمم المتحدة الذي يعقد في يوليو، في جنيف، من كل عام لمراجعة التقارير الوطنية والوقوف على التقدم الذي أحرزته الدول للمضي في ركب التنمية المستدامة حتى العام 2030.

كنت في زيارةٍ لإحدى المؤسسات المالية، جئت لمراجعة ما ورد في تقرير الاستدامة الأخير، الذي تم إعداده، وحاولت التعبير مع زملائي عن قراءة تحليلية مستلهمة، من تقريرهم السنوي عن جهودهم، في إنفاذ أهداف التنمية المستدامة وممارساتهم المعلنة.

جلسنا حول الطاولة، وبين الحضور فريق متنوع من المختصين والإداريين، وفجأة جاءني السؤال بصيغته المباشرة: "ليش متعبين روحكم؟ شنو الداعي أصلاً لعمل القراءة والتقرير"؟

بدا السؤال لوهلة أنه يحمل شيئاً من الاستفهام والاستفسار، لكنه لا يخلو كذلك من الاستغراب والاستنكار، رغم ما في الصيغة من استهجان مهذب.

ابتسمت أولاً، وشكرت لهم استجابتهم للاجتماع، ثم بدأت الإشارة إلى الجوانب الإيجابية الواردة في تقريرهم، فالإنصاف ضرورة أخلاقية، قبل أن تكون مهنية، لكنني قلت بعد ذلك:"إن كثيراً من المؤسسات اليوم تكتب تقارير الاستدامة من باب الامتثال، وبعضها يتعامل معها بوصفها مادة للعلاقات العامة، أو تحسين الصورة الذهنية، رغم أنني أتفهم حين يقود مسؤول العلاقات العامة، أو التسويق، ملف الاستدامة في بدايات إنفاذها لأنها تحتاج إلى ما يسميه أصدقائي الإعلاميون "تموضع"، كحال أي شعلة حين نشعلها نحتاج أن نتعاهدها لحين أن تستوي، وتحقق استدامتها.

إن الاستدامة ليست حملة إعلامية، ولا موسماً للعروض المؤسسية، ولا تقريراً أنيقاً في تصميمه، وإخراجه، يُرفع إلى المساهمين آخر العام.

الاستدامة في جوهرها تساؤلات تناقش الإشكاليات الكبرى، والأكثر إيلاماً وأنيناً في المجتمع، الذي تعيشه المؤسسة، وتربح فيه. تساؤل عن كيف تعيش المؤسسة داخل وطنها، وكيف تترك أثراً يتجاوز الأرباح، وكيف تتحول من كيان اقتصادي ناجح إلى شريك حضاري في بناء المجتمع؟

ثم قلت لهم بكل ود وهدوء: إن ممارسات عدد من الهيئات والجهات في "الامتثال" لتسريع وتيرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، عادة ما تكون بلا مرجعية وطنية، بعيداً عن الركائز والمؤشرات، التي تعبّر عن احتياجات الدولة، وأولويات المجتمع، بل إن كثيراً من الممارسات، الواردة في التقارير، تأتي بلا سياسات إنمائية تتوافق مع غايات ومقاصد التنمية المستدامة

(SDGs2030)، ولا رؤية ستراتيجية نحو مستهدفات منطقية أو قابلة للقياس، وأحياناً بلا حتى تعريف دقيق للأثر الذي ينبغي أن تصنعه المؤسسة.

ولعل الأخطر الذي لم يتسنِ لي قوله، وربما مساحة المقالة تسعفي للبوح به: إن كثيراً من المؤسسات، ولا أستثني قطاعاً من القطاعات غارقة في تنافسية، محمومة، حول "الصورة الذهنية"، لا حول "الأثر المستدام" الذي يُبنى على الاستهداف في مجالات محددة والمراكمة على مقدار التغيرات والنجاحات، في عدد من المؤشرات المرصودة والمقصودة.

فكل جهة تريد أن تبدو الأفضل، لكن قلة فقط من تتوقف لتسأل: إذا كنا أكثر نفعاً، أو أكثر تكاملاً، أو أكثر قدرة على معالجة التحديات الضاغطة التي تواجه المجتمع والدولة؟

لذلك قلت لمضيفتنا: "لهذا نحن هنا"، لسنا هنا لنضيف صفحات جديدة إلى التقارير، ولا لنمنح الهيئات والجهات لغة أكثر أناقة في وصف نفسها، إنما نحاول إعادة تعريف العلاقة بين رأس المال والتنمية والمسؤولية والمستقبل.في نهاية الحوار الذي بدت علامات الدهشة على الوجوه، وربما لم يتوقع البعض أن تتحول "مراجعة تقرير" إلى مراجعة لفلسفة الاستدامة ذاتها، والحقيقة التي أزداد قناعة بها كل يوم هي أن الاستدامة الحقيقية التي تبدأ من التقرير من المهم أن يسبقها سؤال "ماذا نريد أن نترك لهذا الوطن بعد أن تنتهي دورة الأرباح"؟.

خبير استدامة

آخر الأخبار