الأربعاء 27 مايو 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
فجوة المهارات في دول 'مجلس التعاون'
play icon
كل الآراء

فجوة المهارات في دول "مجلس التعاون"

Time
الثلاثاء 26 مايو 2026
د. ناصر حسين عباس

لم يعد السؤال المطروح أمام مؤسسات التعليم العالي في دول "مجلس التعاون" الخليجي هو عدد الخريجين الذين يدخلون سوق العمل سنوياً، بل مدى امتلاكهم المهارات التي يحتاجها هذا السوق فعلاً؟

فالشهادة الجامعية، على أهميتها، لم تعد وحدها ضمانة للتوظيف، أو دليلاً كافياً على الجاهزية المهنية، في ظل اقتصادات خليجية تتجه إلى التنويع، وقطاعات جديدة تتطلب كفاءة ومرونة، وانضباطاً، وقدرة على التعلم المستمر.ووفقاً لمؤشرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تُصنَّف دول الخليج من بين الأعلى إنفاقاً على التعليم، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن العائد على الاستثمار في رأس المال البشري يواجه تحديات هيكلية تتعلق بـ"البطالة المقنّعة" و"تضخم الشهادات الأكاديمية الشكلية"، مقابل الكفاءة الإنتاجية الفعلية.

فصاحب العمل اليوم يبحث عن خريج يجمع بين المعرفة والقدرة على التطبيق؛ يفكر عملياً، ويتواصل بوضوح، ويعمل ضمن فريق، ويوظف التكنولوجيا مهنياً، ويتحمل المسؤولية.

فالمعرفة الأكاديمية وحدها لم تعد كافية، إذا لم تتحول إلى أداء ملموس، ككتابة تقرير، أو إدارة وقت، أو تقديم عرض، أو تحليل مشكلة تحت ضغط العمل.

ولا تكشف هذه الفجوة عن ضعف الخريجين، أو فشل الجامعات، بل عن تباعد بين تعليم تحكمه المناهج واللوائح، وسوق تقوده المنافسة والنتائج والتقنية. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى تدريب عملي مبكر، وشراكة أوثق بين الجامعات، وأصحاب العمل، والطلبة أنفسهم.

ومن أبرز مظاهر الفجوة نقص المهارات السلوكية، مثل التواصل، والانضباط، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، وتقبّل النقد. كما تظهر فجوة تقنية واضحة؛ فكثير من الشباب يستخدمون التكنولوجيا في حياتهم اليومية، لكن سوق العمل يحتاج إلى استخدام مهني في تحليل البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتسويق الرقمي، وأتمتة الإجراءات.

كذلك يظل التدريب العملي في بعض البرامج محدوداً، أو شكلياً، فلا يهيئ الطالب بما يكفي لفهم ثقافة المؤسسة ومسؤولياتها.

وتتعمق المشكلة بسبب عدم التطابق الهيكلي بين التخصصات والوظائف. فبينما تتجه الاقتصادات الخليجية نحو التكنولوجيا المالية، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والصناعات الإبداعية، لا تزال مؤسسات تعليمية كثيرة تضخ أعداداً كبيرة في تخصصات تقليدية مشبعة. ويضاف إلى ذلك بطء تحديث المناهج وغياب آليات دقيقة لاستشراف وظائف المستقبل، ما يجعل التعليم غالباً في موقف رد الفعل لا المبادرة.

كما أسهم الاعتماد التاريخي على القطاع الحكومي، بوصفه مستوعباً رئيسياً للخريجين، في ترسيخ ثقافة الأمان الوظيفي، حيث كانت الشهادة كافية غالباً للدخول إلى العمل.

لكن التحولات الاقتصادية وضغط الميزانيات، وتوسّع دور القطاع الخاص، جعلت معايير الجدارة والإنتاجية أكثر حضوراً، الأمر الذي يتطلب إعداداً مختلفاً للخريج.

ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد. فالجامعات مطالبة بالانتقال من التعليم التلقيني إلى التعليم المبني على الكفاءة، ودمج الشهادات المهنية المصغرة، وتوسيع التعليم التعاوني، والتدريب الطويل.

وأصحاب العمل مطالبون بالمشاركة في تصميم البرامج، وفتح فرص تدريب جادة، والاستثمار في حاضنات ومبادرات داخل الجامعات. أما الطالب، فعليه التخلي عن عقلية الاستحقاق الوظيفي لمجرد امتلاك الشهادة، وبناء محفظة أعمال، ومهارات، وهوية رقمية مهنية، ومواصلة التعلم الذاتي.

ولتحقيق نقلة حقيقية، تحتاج دول الخليج إلى هيئة وطنية، أو خليجية، لاستشراف مهارات المستقبل، تربط التعليم بخطط التنمية وبيانات سوق العمل. كما ينبغي ربط جزء من تمويل الجامعات بمعدلات توظيف خريجيها في تخصصاتهم، وتحديث سياسات التوظيف بحيث تقوم على المهارات المثبتة، والاختبارات العملية، لا على المعدل، أو اسم المؤسسة التعليمية وحدهما.

إن الكويت، وهي تسعى إلى تطوير سوق العمل وتنويع الاقتصاد ورفع الإنتاجية، تحتاج إلى نقاش صريح حول جاهزية الخريجين. فالمطلوب ليس إحباط الشباب ولا التقليل من جهود المؤسسات التعليمية، بل الاعتراف بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعليم أكثر التصاقاً بالحياة العملية، وإرشاد مهني مبكر، وشراكة أقوى مع القطاع الخاص، وثقافة مجتمعية تحترم المهارة كما تحترم الشهادة.

في النهاية، لا يُختصر الخريج الناجح في ورقة تخرج، ولا تُختصر حاجة السوق في إعلان وظيفة. بينهما مساحة اسمها المهارة. وإذا أردنا أن يدخل شبابنا سوق العمل بثقة، فعلينا أن نمنحهم تعليماً يربط المعرفة بالتطبيق، وتدريباً يواجههم بالواقع، وسوقاً يمنحهم فرصة عادلة، قبل أن يكتشفوا الفجوة بعد فوات الأوان.

كاتب كويتي

آخر الأخبار