مرايـا الروح
في واقعٍ يُستباح فيه العشم، وتُرهَق فيه القلوب بصدق الودّ، تصبح المروءة الحقيقية ليست في البذل وحده، بل في معرفة مواضع الكرم والاحسان، وحدود الاستحقاق، في اللُّطف حين يُعطي، والرُقيّ حين يطلب، والرحمة حين تَعتذر أو تَردّ.
المروءة ليست بكثرة ما تملك، ولا بكثرة ما تهب، بل في حُسن ما تهب، ورفق ما تطلب، وجمال ما تَكفّ عنه حين تعلم أنه يُثقل الآخر.
من تمام المروءة ألا تُحمّل أحداً ما لا يطيق، ولو باسم المودّة والصفاء، فإن بعض القلوب تُثقلها الحفاوة الزائدة، وبعض النفوس تتهاوى تحت ضغط التوقّعات غير المُعلنة.
لا تحرج أحداً بما لا يقبله، ولا تَستدر عطاءه بالحياء، ولا تُراهن على عُمر المعرفة لتنتزع ما لا يُريد.
ما أكثر من يطلبون بعشم، ثم يُحزنهم أن يُردّ عليهم، كأنّ القلوب لا حقّ لها أن تعتذر!
وما أكثر من يستكثرون على غيرهم "الاعتذار"، لأنهم- ببساطة – لم يعتادوا أن يُقال لهم "لا"، فحسبوا أن "القُرب" تفويضٌ مفتوح.
لكن المروءة الحقّة ان تعرف متى تطلب، وكيف تطلب، ومتى تُعفي الآخرين من عبء طلبك، مراعاةً لا حياءً، فهماً لا استضعافاً.
المروءة أيضاً أن لا ترى الناس مُسخَّرين لحاجتك أنت فقط، ولا أدوات لتكميل نقصك، ولا مرايا تلمّع صورتك.وأن لا تقيس الناس بنفسك: لا بطاقة أحدٍ على طاقتك، ولا بكرمه على كرمك، ولا بسَعته على سعتك… فإنّ اختلاف الناس رحمة، وما يكسره عليك أحدٌ برفق، قد يُحطّم غيرك إن حمّلته إياه.
ومن مكارم الأدب إن طلبت، تطلب بعرفان، وإن قُوبلت بالردّ، تردّ بالحُسنى.
أن تفهم أن ردّ الجميل ليس فرضاً، وأنّ من لا يعطيك ما تنتظر، قد يكون في قلبه ألف نية طيّبة، لكنه لا يملك القدرة.
المروءة الحقّة أدبٌ في السؤال، وذوقٌ في الردّ، ورفقٌ في العلاقة، وحُرمةٌ للخصوصية، وإن كانت بينك وبينهم مودّة السنين.
إنّ أجمل النفوس، تلك التي إذا أعطت، لم تُشعر غيرها بثقل الامتنان. وإذا اعتذرت، فعلتْ ذلك بلا قسوة ولا تبرير. وإذا لم تستطع، لم تجرح. وإذا اقتربت، لم تُضيّق الخِناق باسم القُرب او
العشرة. وإذا رحلت، عليها أن تتأكد بأن يكون أثرها خفيفا لا ندوب فيه.
هكذا تكون مروءة الأرواح الكريمة: تَهبك دون أن تُثقلك، وتطلب دون أن تُذلّك، وتأنس بك وتودّك دون أن تُقيّدك. وترحل، دون أن تُفسد ما كان بينها وبينك.
وفي التأدب وحده… تكون العافية... عافية النفس، وعافية العلاقات، وعافية الوجه حين لا يُحمرّ حياءً، ولا يُصفَرّ خجلاً، ولا يتهدّل من كسرة عتبٍ أو ثقل معروف.
وكما قيل: "ما استُجلبت المحبة بمثل حُسن الأدب، ولا حُفظت القلوب بمثل خفّة الأثر".
وقيل ايضاً: "المروءة ليست في ما تأخذ من الناس، بل في ما تُبقيه في نفوسهم بعدك".
كاتبة كويتية