التنمية المستدامة بين كرة النار أو الثلج
في سياق التفاعل التنموي المتسارع، ومع ثلة من رفاق رحلة الاستدامة وشغفها الممتد، انطلقت جولة ميدانية تشمل عدداً من المؤسسات والجهات الفاعلة في المشهد الوطني، وكانت بداية هذه الجولة لقاءً استثنائياً جمعنا بمعالي وزير الدولة لشؤون التنمية المستدامة الدكتورة ريم غازي الفليج، وهو لقاء وإن تدثر بوشاحه الرسمي البروتوكولي، إلا أن الحفاوة التي استقبلتنا بها معاليها أضفت عليه دفئاً وتدفقاً من الحيوية والإنتاجية.
وقد استهل حديثنا في بداية اللقاء بتقديم أسمى آيات التهنئة لمعاليها بنيلها الثقة السامية للقيادة السياسية، وأعربنا عن بالغ الاعتزاز والاعتراف بالقيمة التاريخية لكونها أول وزيرة تحمل حقيبة التنمية المستدامة في حكومات الكويت.
كما أكدنا لمعاليها أن هذا اللقاء كان مرتقباً، ومحط تطلعنا منذ التكليف، الذي حالت الظروف والمستجدات المتلاحقة دون التئامه في وقت سابق.
كان لقاؤنا الباكر في تمام الثامنة صباحاً دلالة بالغة العمق، وهو ما اعتبرناه مؤشراً لافتاً ومبشراً على جدية استثنائية في وتيرة العمل، وكشفت لنا معاليها لاحقاً بأن موعداً آخر سبقنا مع إحدى الجهات الأكاديمية.
في تعليقي أشرت إلى أن نظراءها من وزراء التنمية المستدامة، في المنطقة، قد نَحَت حقائبهم إما باتجاه الأبعاد الاقتصادية أو الاجتماعية، أو البيئية، في حين يبدو أن النموذج الكويتي من واقع قراءة الهيئات التابعة للوزارة قد جاء متنوعاً ومتكاملاً، ليغطي قطاعات حيوية تمس الأمن التنموي، وهي "الغذاء والتغذية"، "البيئة"، بالإضافة إلى "الزراعة والثروة السمكية".
ولم يفتنا أن نشاركها غبطتنا وسعادتنا بأن تتقلد هذه الحقيبة كفاءة نسائية كويتية وطنية انسجاماً مع التوجه التنموي العربي، الذي شهد إسناد هذا الملف الحيوي إلى نخبة من النساء الرائدات، اللواتي تركن بصمات واضحة في دول شقيقة، مثل البحرين، قطر، مصر، والمملكة المغربية.
ورغم بهجة التوقيت الصباحي في مكتب معاليها العامر، المتربع في قلب المبنى "الأخضر" الصديق للبيئة (مقر الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية)، إلا أن طابع الحوار سرعان ما تحول، بوعي ومسؤولية، من عبارات الثناء والرجاء بالتوفيق، إلى المكاشفة الجادة، والتذكير الصريح باستحقاقات المرحلة المقبلة لإنفاذ أهداف التنمية المستدامة، فلم يتبقَ على الالتزام الدولي المرسوم لتحقيق الغايات، والمؤشرات، سوى خمس سنوات فقط! ومن يتابع بدقة القراءات التحليلية، ويراجع القرارات والتقارير الدولية، يقطع باليقين التام أننا، في المنطقة والعالم، لسنا بالضرورة على المسار الصحيح، مما يتطلب قفزات "تحويلية" لا مجرد خطوات عادية.
ولعل أكثر لحظات اللقاء ثراءً وعمقاً، حين بادرتنا معالي الوزيرة بسؤال ستراتيجي ذكي، ينم عن تواضع جم وثقة رفيعة، مستكشفة ما لدينا من قيمة وإضافة، على صعيد التنمية المستدامة، حين طرحت تساؤلاً يحمل في طياته نهج تدوير الزوايا: ماذا أنتم فاعلون لو كنتم مكاني على سدة الوزارة؟
وهنا حاولت التعليق بعد زملائي الأفاضل، فأجبتها بعبارة مباشرة ومكثفة: "إن ملف التنمية المستدامة في هذه المرحلة الحرجة يشبه تماماً كرة النار التي يخشى الكثيرون الاقتراب منها، ولذا فإن السؤال الأجدر بالبحث هو: كيف يمكن التفكير في جعل هذه الكرة خارج أسوار وزارتكِ؟
وأوضحتُ لمعاليها أن ذلك يتحقق من خلال تفعيل الآليات التالية:
• التذكير الدائم بالمسؤوليات المشتركة، والتشديد على طلب التقارير والبيانات الدقيقة من جهات الدولة ذات الصلة.
• إنتاج الأدلة الاسترشادية والخطط التوجيهية الموحدة.
• تأهيل وبناء قدرات الكوادر البشرية في مختلف الهيئات لرفع الكفاءة المؤسسية.
• حث القطاعات على احتضان المبادرات التنموية، والشراكات الفاعلة مع مثلث التنمية الذهبي: القطاع العام، القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني.
وفي غمرة هذه الشفافية العالية والأريحية المتناهية التي اتسم بها الحوار، وبينما كنت أرقب معاليها وهي تدوّن باهتمام بالغ مخرجات هذا النقاش، توقف تدفقي عند تساؤل جوهري لم أُصرّح به علانية، وظل يتردد في خلدي: إلى أي مدى سيكتب لهذه الحقيبة الوزارية المتخصصة البقاء والديمومة في تشكيلات حكومتنا المقبلة، وكيف نضمن ألا تكون معالي الدكتورة ريم هي الوزيرة الأولى والأخيرة للتنمية المستدامة في الكويت؟
والأهم من ذلك كله، كيف يمكننا تحويل كرة النار الثقيلة هذه إلى نموذج كرة الثلج الإيجابية، التي كلما تدحرجت وتحركت بدعم القيادة، وتضافر الجهود، ازدادت حجماً، واتساعاً، وأثراً ملموساً في الواقع والمستقبل؟
وفي ختام هذا اللقاء المثمر، تشرفت بإهداء معالي الوزيرة نسخة من كتابي "استدامة"، وهو أول إنتاج معرفي، ومنهجي متخصص في مجال التنمية المستدامة، ويقع في 260 صفحة، ليكون تحت تصرف جهود الوزارة، وعدت بقراءته في إجازة نهاية الأسبوع، وقد تعاهدنا جميعاً على استمرار قنوات التواصل والحوار، بما يعزز ويسرع من وتيرة إنفاذ الأهداف التنموية، وصولاً إلى تقديم تقريرنا الوطني الطوعي الثالث لدولة الكويت، والمقرر استحقاقه في السنة المقبلة.
كل الشكر والتقدير لمعالي الوزيرة على الحفاوة ورحابة اللقاء، وكلمات الإطراء التي طوقت بها أعناقنا، ودعواتنا المخلصة لها بأن يتحقق على يديها للكويت والمنطقة الكثير من التطلعات والآمال.
خبير استدامة