الأحد 31 مايو 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كيف أصبح القلق جزءاً من روتيننا اليومي؟
play icon
كل الآراء

كيف أصبح القلق جزءاً من روتيننا اليومي؟

Time
السبت 30 مايو 2026
هلا بدر الحميضي


أصبح القلق جزءاً من روتين حياتنا اليومية. فسرعة تدفّق المعلومات إلى عقولنا، وضجيج الإشعارات المستمر، والمقارنات الاجتماعية التي لا تنتهي، لم تعد مجرد ضغوط خارجية عابرة، بل تحوّلت لدى كثيرين إلى حالة يعيشونها يومياً بصمت، حتى أصبح القلق وكأنه جزء طبيعي من الحياة.

في الماضي، كان القلق غالباً يرتبط بأحداث كبيرة وواضحة؛ كفقدان وظيفة، أو أزمة عائلية، أو انتهاء علاقة مهمة.

أما اليوم، فأصبح يتكوّن من مئات التفاصيل الصغيرة المتراكمة: رسالة لم يتم الرد عليها، خبر مزعج قبل النوم، مقارنة مستمرة بين حياتنا وحياة الآخرين، أو شعور داخلي دائم أننا متأخرون عن الجميع. ومع الوقت، يبقى الجهاز العصبي في حالة تأهّب مستمرة، وكأن العقل لم يعد يجد فرصة حقيقية للهدوء.

والمفارقة أن هذا الجيل يعيش في زمن يُفترض أنه الأكثر راحة واستقراراً مقارنة بكل الأجيال السابقة، ومع ذلك تزداد مشاعر القلق والاضطراب الداخلي.

أصبح بإمكاننا الوصول إلى أي شخص في أي لحظة، لكن الشعور بالوحدة يتزايد. كما خلقت وسائل التواصل الاجتماعي ثقافة مقارنة مستمرة، حيث نشاهد يومياً نجاحات الآخرين، وإنجازاتهم، ولحظاتهم السعيدة، فنبدأ دون وعي بقياس حياتنا بحياتهم.

إلى جانب ذلك، هناك ضغط غير معلن فرضه المجتمع الحديث:

أن تنجح بسرعة، وأن تتطور باستمرار، وأن تكون حاضراً اجتماعياً، ومتفائلاً، وسعيداً طوال الوقت. وفي المساحات الصامتة بين هذه التوقعات غير المعلنة، يبدأ القلق بالنمو.

ومع مرور الوقت، لا يعود القلق مجرد شعور موقت، بل يتحوّل إلى أسلوب حياة. نستيقظ بإرهاق ذهني، ونحمله معنا حتى نهاية اليوم. وحتى اللحظات التي يفترض أن تكون هادئة ومريحة، تصبح ممتلئة بالتفكير الزائد، وتأنيب النفس، والإجهاد الداخلي.

لكن الحقيقة المهمة هي أن القلق ليس دائماً دليل ضعف. أحياناً يكون رسالة من العقل والجسد تقول: إننا نحمل فوق طاقتنا أكثر مما نستطيع الاستمرار به.

والتعافي لا يبدأ بالتظاهر بأن كل شيء بخير، بل يبدأ بالسؤال الحقيقي: ماذا يحدث داخلي فعلاً؟

لسنا بحاجة دائماً إلى الإسراع أكثر، بل ربما نحتاج إلى أن نمنح أنفسنا الإذن بالتباطؤ. أن نتوقف عن ربط قيمتنا بالإنتاجية، أو بالاهتمام الذي نحصل عليه، أو بموافقة الآخرين علينا.

أن نفهم أن التأخير لا يعني الفشل، وأن الهدوء لا يعني أننا تخلّفنا عن الركب.

فالصحة النفسية لا تعني أن يكون الإنسان سعيداً طوال الوقت، بل أن يتعلم كيف يعتني بنفسه حتى في أصعب لحظاته.

لأن أخطر أنواع القلق أحيانًا… ليست تلك التي يراها الناس، بل تلك المختبئة خلف ابتسامة، بينما الشخص في داخله منهك بصمت.

مدرب حياة معتمد واستشاري علم الشخصيات والعلاقات العامة


آخر الأخبار