وقفة
لم تترك التجربة الحرجة، والمريرة، التي عشناها خلال حرب الأربعين يوماً، وما رافقها من تداعيات وانقسامات، ومواقف صادمة، مجالاً واسعاً للصمت أو المجاملة، خصوصاً أمام المثقفين الشيعة العرب الذين تقع على عاتقهم اليوم مسؤولية تاريخية، وأخلاقية ووطنية كبيرة.
فهؤلاء مطالبون، أكثر من أي وقت مضى، أن يخاطبوا، بهدوء وصدق وشجاعة، تلك الفئة المحدودة من الشيعة العرب التي وقعت، خلال العقود الأخيرة، تحت تأثير خطاب سياسي وآيديولوجي جديد، نجح في تغذية الإحساس بالمظلومية لديهم، وربط الهوية المذهبية بحالة دائمة من الشعور بالظلم، والاستهداف.
ومن المهم هنا التفريق بين التشيع العربي التاريخي، بوصفه مذهباً إسلامياً عريقاً، له إسهاماته الفكرية والفقهية والحضارية، وبين بعض التفسيرات السياسية الحديثة التي حاولت توظيف تراث المذهب ضمن مشاريع سياسية عابرة للحدود، لا تنسجم مع طبيعة المجتمعات العربية، ولا مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
إن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) الإمام السادس في المعتقد الشيعي الاثناعشري، هو الذي أرسى التعاليم والأسس الفكرية والفقهية للمذهب؛ التي لا تشير، من قريب أو بعيد، إلى استهداف الشيعة، أو أي شيء اسمه "الولي الفقيه".
وقد عاش الإمام الصادق في زمنٍ شديد الاضطراب، شهد سقوط الدولة الأموية، وصعود الدولة العباسية، وتصارع التيارات السياسية والثورية. رغم ذلك، لم يجعل من الصدام المسلح مشروعه، ولم يؤسس مدرسة تقوم على الاحتراب الداخلي، أو تعبئة الأتباع على أساس دائم من الشعور بالظلم والاضطهاد، بل انصرف، بثقة واقتدار، إلى بناء مدرسة علمية وفقهية وفكرية عميقة الأثر، امتدت قروناً، وأسهمت في إثراء الحضارة الإسلامية.
ولم يكن نهجه يعني دعوة للاستسلام للطغيان، إنما دعوة إلى الرشد في مواجهته؛ أي مقاومة الظلم، إن وجد، بوعي، والتركيز على بناء الإنسان والمجتمع، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات عبثية تدفع الشعوب أثمانها الباهظة.
غير أن العقود الأخيرة شهدت صعود خطاب سياسي مختلف، ارتبط بنظرية "ولاية الفقيه" المبتكرة، التي طورها الإمام الخميني بدعوى "نصرة المظلومين والمحرومين"، وضمن رؤية خاصة للحكم والسلطة، وهي نظرية لم تحظ بإجماع شيعي، بل رفضها كثير من كبار علماء وفقهاء الشيعة، وفي مقدمهم مرجعيات النجف الأشرف، التي تبنت مفهوم الدولة الوطنية، والابتعاد عن تسييس المذهب، وربطه بمشاريع توسعية أو عابرة للحدود.
لكن هذا الخطاب نجح، لدى بعض الفئات، في بلورة وتوظيف الإحساس بالمظلومية، وتحويله من سردية مرتبطة بوقائع تاريخية إلى حالة نفسية وسياسية مستدامة، يجري عبرها تعبئة الأتباع واستنفارهم، وربطهم بمشاريع لا تخدم البتة أوطانهم، ومجتمعاتهم.
لا شك أن التراث الإسلامي، الشيعي وغيره، يتضمن سرديات تاريخية عن الظلم والمعاناة، والصراع السياسي، لكن المشكلة لا تكمن في استحضار التاريخ، أو التفاعل معه وجدانياً، بل في تحويل الإحساس بالمظلومية إلى عقدة راسخة تحكم نظرة الإنسان إلى نفسه، ومجتمعه، والعالم من حوله.
فعندما يقتنع الشيعي بأنه مستهدف دائماً، ومظلوم دائماً، وضحية، يصبح أكثر قابلية للعزلة، والانغلاق والتشدد، وأقل قدرة على الاندماج الإيجابي، والثقة بالمجتمع، والدولة والمستقبل.
كما أن الإفراط في تكريس هذا الشعور قد يحول الإحساس بالمظلومية إلى "عقدة نفسية جماعية"، يجد فيها البعض ذريعة وتفسيراً جاهزا لكل الإخفاقات والتحديات، ويبحث من خلالها عن التعاطف بدلا من البحث عن الحلول الواقعية، والإصلاح التدريجي، والعمل الوطني المشترك.
هنا، تأتي مسؤولية المثقفين والمفكرين الشيعة، وهم الأقدر على تفكيك هذا الخطاب، وإعادة توجيه طاقات هذه الفئة نحو الانتماء الوطني، والعمل الإصلاحي السلمي، والشراكة المجتمعية، بدلاً من ترسيخ مشاعر القطيعة، أو الاستهداف، أو الارتهان السياسي.
والواضح أن هناك أطرافاً ذات مصلحة، تريد أن تظل هذه الجماعة مقتنعة بأنها هي المظلومة المستهدفة، والمحرومة في الوسط الإسلامي، بينما الواقع يؤكد أن المظلومية، في عالمنا الإسلامي، ليست حكراً على طائفة دون أخرى.
فملايين الفلسطينيين الذين عاشوا لعقود طويلة، ولا يزالون، تحت نير الاحتلال والقتل، والظلم والحرمان ليسوا شيعة؛ وقد قتل منهم منذ أكتوبر 2023 حتى اليوم اكثر من سبعين ألف شهيد في قطاع غزة فقط، إلى جانب ملايين المسلمين الذين قُتلوا، وشُردوا وجوعوا في السودان، وسورية، والبوسنة وميانمار وغيرها، ولم يكونوا شيعة.
كما أن الفقر والاستبداد، والقهر السياسي تطول شعوباً ومجتمعات إسلامية متعددة، بمختلف انتماءاتها المذهبية والقومية.
لهذا فإن اختزال معاناة العالم الإسلامي في سردية تقول إن"الشيعة وحدهم مستهدفون"، لا ينسجم مع الوقائع، بل قد يؤدي إلى مزيد من الانغلاق والتوتر، وإضعاف فرص بناء مجتمعات متماسكة تتشارك الهموم، والتحديات نفسها.
إن المرحلة الحالية تتطلب خطاباً جديداً أكثر عقلانية، وهدوءاً واتزاناً، خطاباً يكشف عن الحقيقة، ويرفض ترسيخ الشعور بالمظلومية، ليصبح أداة تعبئة سياسية.
فالأوطان لا تُبنى بالأحقاد التاريخية، ولا بتغذية مشاعر الضحية، إنما ببناء الإنسان الواثق بنفسه، المؤمن بوطنه، المنفتح على مجتمعه، والقادر على التمييز بين الحقوق المشروعة وبين محاولات استغلاله، وتوجيهه نحو معارك لا تنتهي.
وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً