الثلاثاء 02 يونيو 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
إلى سمو الرئيس... الإسعافات الأولية ضرورة وطنية
play icon
كل الآراء

إلى سمو الرئيس... الإسعافات الأولية ضرورة وطنية

Time
الاثنين 01 يونيو 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

رسالة إلى سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد عبدالله الأحمد، ومعالي النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف، ومعالي وزير التربية والتعليم الدكتور جلال الطبطبائي، ومعالي وزير الصحة الدكتور أحمد العوضي، وأصحاب المعالي الوزراء.

لا تُقاس الدول المتقدمة بما تمتلكه من مستشفيات حديثة وأجهزة متطورة، بل بقدرتها على إنقاذ الأرواح في الدقائق الأولى الحرجة التي تسبق وصول الفرق الطبية، فهذه الدقائق القليلة كثيراً ما تكون الفاصل الحقيقي بين الحياة والموت، ومن هنا يبرز مبدأ عملي بالغ الأهمية، وهو أن "أول الواصلين يجب أن يكون أول القادرين على الإنقاذ"، لأن سرعة الوصول وحدها لا تكفي، إذا لم تقترن بالمعرفة والمهارة، والقدرة على التدخل الصحيح في اللحظات الحرجة.

وفي أغلب الحوادث المرورية والغرق والحرائق والأزمات الصحية المفاجئة، يكون رجل الأمن هو أول من يصل إلى الموقع، سواء كان رجل شرطة أو مرور أو خفر السواحل أو الحرس الوطني أو القوات المسلحة، أو قوة الإطفاء، ولذلك يبرز سؤال مهم:

كيف نطلب من أول الواصلين إلى موقع الحادث إذا لم نزوده في المقابل بالتدريب المتقن، الذي يمكنه من إنقاذ الأرواح والتعامل مع الإصابات، والحالات الحرجة؟

إن وجوده في المكان يجب ألا يقتصر على تنظيم الموقع، أو طلب المساندة، بل ينبغي أن يمتد إلى القدرة الفعلية على تقديم المساعدة، عندما تكون كل ثانية ذات قيمة.

وقد أعادت إحدى حوادث الغرق التي شغلت الرأي العام أخيراً هذا السؤال إلى الواجهة، فقد هزّ هذا الخبر مشاعر المجتمع بأسره، وأثبت أن البحر، والطرق، والمرافق العامة قد تتحول في لحظات إلى مسرح حوادث تتطلب تدخلاً فورياً، ومهما كانت الملابسات، فإن الرسالة الأهم هي أن إنقاذ الأرواح لا يعتمد فقط على سرعة الوصول، بل على امتلاك المهارة الصحيحة في اللحظة المناسبة.

من هنا فإننا نأمل من الحكومة الموقرة اتخاذ قرار ستراتيجي يقضي بجعل الإسعافات الأولية، والإنقاذ الأساسي جزءاً إلزامياً من جميع الدورات التدريبية لمنتسبي وزارة الداخلية، والقوات المسلحة، والحرس الوطني، وقوة الإطفاء العام، وخفر السواحل، فلا يُعقل أن يتخرج رجل أمن أو ضابط أو مسؤول ميداني دون أن يكون قادراً على إجراء الإنعاش القلبي الرئوي، وإيقاف النزيف، والتعامل مع حالات الاختناق والغرق والكسور والإصابات الحرجة حتى وصول المختصين.

ولا ينبغي أن يقتصر التدريب على رجال الأمن، أن يشمل موظفي وزارة الداخلية والعاملين في وزارة الصحة، فالحوادث والطوارئ لا تفرق بين رجل أمن وموظف، أو بين طبيب وإداري.

أما وزارة التربية، فإن دورها في هذا المجال يعد من أهم الأدوار على الإطلاق، فالمدارس تضم مئات الآلاف من الطلبة والمعلمين والإداريين، وقد تقع فيها حالات إغماء، أو اختناق، أو إصابات أو أزمات صحية مفاجئة، لذلك من الضروري إلزام جميع المعلمين والإدارات المدرسية باجتياز دورات الإسعافات الأولية دوريا، وأن تصبح هذه الدورات أحد متطلبات العمل في المؤسسات التعليمية.

بل إن الطموح يجب أن يتجاوز ذلك إلى اعتماد الإسعافات الأولية مقرراً دراسياً رسمياً في المرحلة الثانوية العامة، بحيث يتخرج كل طالب في الكويت وهو يمتلك الحد الأدنى من المهارات التي تمكنه من إنقاذ حياة إنسان، فما قيمة عشرات المواد الدراسية، إذا كان الطالب يجهل كيفية التصرف عند رؤية شخص للاصابة؟

ولا يتوقف الأمر عند المؤسسات الحكومية والعسكرية والتعليمية فقط، بل ينبغي أن يشمل أيضاً المتقدمين للحصول على رخصة القيادة، فالسائق غالباً ما يكون من أوائل الشهود على الحوادث المرورية، كما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة، ومنها ألمانيا، بما يسهم في نشر ثقافة الإنقاذ.

إن الدول التي سبقتنا في هذا المجال لم تجعل الإسعافات الأولية حكراً على الأطباء والممرضين، بل حولتها إلى ثقافة مجتمعية عامة، ومهارة حياتية أساسية، ولذلك انخفضت لديها نسب الوفيات الناتجة عن التأخر في تقديم المساعدة الأولية، وارتفعت فرص النجاة بشكل ملحوظ.

إن تعليم الإسعافات الأولية ليس ترفاً تدريبياً، وليس دورة اختيارية يمكن الاستغناء عنها، بل هو استثمار مباشر في الإنسان، وفي أمن المجتمع.

ولعل أجمل وفاء لضحايا الحوادث المؤلمة التي فقدنا فيها آباءً وأمهات، وأبناءً وأصدقاء، أن نحول الألم إلى إصلاح، والتجربة إلى قرار، والمأساة إلى مشروع وطني شامل يجعل من الإسعافات الأولية ثقافة عامة.

فإنقاذ حياة إنسان واحد قد يساوي عند أسرته الدنيا وما فيها، فكيف إذا أصبح لدينا عشرات الآلاف من المواطنين والمقيمين القادرين على إنقاذ الأرواح في اللحظات الحرجة؟ عندها فقط نستطيع أن نقول إننا تعلمنا من التجارب، وحولنا المآسي إلى خطوات عملية تحفظ الأرواح وتصنع مستقبلاً أكثر أمناً وإنسانية للكويت.

آخر الأخبار