دونالد ترامب من الرؤساء الذين حملت سياساته الخاصة حالة من الجدل داخلياً وخارجياً.
فهو رجل اقتصادي من الدرجة الأولى، ولهذا حين وصل إلى السلطة عمل على تبني السياسات الاقتصادية الخاصة به، والمكاسب الدائمة من العلاقات مع الدول المختلفة، وطغى عليه مبدأ أميركا اولا باستخدامه البعدين الديبلوماسي والعسكري.
داخلياً تشير العديد من خطاباته إلى فكرة تعظيم الدولة القومية، ورفضه دخول المهاجرين، وبخاصة من الدول غير المتطورة، ولهذا تبنى السياسات التي تعمل على التصدي للهجرة غير الشرعية.
لكن يعنيني بالدرجة الأولى في هذه الاسطر التطرق إلى توجهاته حيال السياسة الدولية ونوجزها بالآتي:
1 - أميركا والبلدان اللاتينية: أعاد العمل بـ"مبدأ مونرو"، وهو قطع الطريق على قوى خارجية في نصف الكرة الغربي، ومن المفارقة أن الرئيس تيودور روزفلت أول من نفذ هذا المبدأ بمقاومة المخططات الاستعمارية، في نصف الكرة الغربي مبتدئاً من فنزويلا. وعليه يعمل الرئيس ترامب فرض مظلة أمنية أميركية فوق نصف الكرة الغربي (أميركا الجنوبية)، ومن هنا يتضح سلوكه تجاه كوبا بعد عملية اعتقال مادورو رئيس فنزويلا.
2 - العلاقات مع أوروبا: يرى ضرورة أن تعمل القارة الأوروبية (حلف الـ"ناتو") تحمل الأعباء الخاصة بالدفاع عن نفسها، وبالتالي ليس على الولايات المتحدة أن تنفق الأموال في السياق الدفاعي عن أوروبا، التي يجب عليها تحمل أعباء الأمن بها، ولا يلتزم بالتعليمات الأميركية التي تخص مصالح الولايات المتحدة، وقد برز ذلك جلياً في الحرب الأميركية ضد إيران.
3 - العلاقات الأميركية- الروسية: ينادي ترامب بالتقارب مع الجانب الروسي، لكن من منطلق القوة، وليس من منطلق الضعف، وبالتالي يرى التنسيق مع روسيا في سياق الحفاظ على المصالح الخاصة بالولايات المتحدة.
4 - العلاقات الأميركية- الصينية: يميل إلى التقارب مع الصين والعمل على تعزيز العلاقات معها، في سياق يقلل الفجوة في العلاقة بين البلدين، لتقوم على علاقة إحترام مبنية على القوة والاحتواء. فالولايات المتحدة تعمل على ضبط حركة نمو الصين عبر ملفات عدة تحت مفهوم الأمن الجيوستراتيجي.
5 - سياسات ترامب حيال إيران: تبنى سياسة متشددة حيالها والغى الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما، وعمل على الانسحاب من خطة العمل المشتركة، على اعتبار أن إيران دولة راعية للإرهاب، وأن نظامها لا يحترم حدود الدول، وأنه عابر للحدود في دعم الإرهابيين من خلال الأذرع.
لعل هذه الرؤية حملت الرئيس الأميركي على شن الحرب على إيران في 28 فبراير الماضي في ما يطلق عليه "الغضب الملحمي"، وأن الترويج أن الهدف الأساسي من هذه الحرب إزالة خطر المواد والأدوات التي تمكن من صناعة قنبلة نووية، وإزالة النظام من خلال ضربة خاطفة، تعمل على زعزعته، وبالفعل أسفرت الضربة الأولى عن اغتيال المرشد الأعلى، وكذلك العديد من القيادات العليا.
لكن سرعان ما شرع الحرس الثوري بالهجوم على دول الإقليم بالصواريخ والمسيرات، في محاولة لإشعال المنطقة، ورفع الكلفة على الجميع، وإغلق مضيق هرمز، شريان الطاقة الستراتيجي.
إلا أن الرد الأميركي لم يتأخر، فقد فرضت القوات الأميركية حصاراً بحرياً خانقاً على إيران، في ظل اقتصادها المتهالك أصلاً، مما اجبر الطرف الإيراني بقبول تسوية مع الطرف الأميركي، الذي يؤمن بحكمة "يجب أن تتحكم بنعومة وتحمل عصا غليظة".
إن ستراتيجية ترامب تتبنى سياسات تسعى إلى تحقيق السيطرة والهيمنة، وهي جزء من مبدأ "أميركا أولاً"، وقد تحمل هذه الرسالة تأثيرات سلبية على مناخ الاستقرار بالمنطقة، لا سيما إذا لم تنجح الولايات المتحدة في اختراق المفاوضات القائمة حالياً مع إيران، سيؤدي ذلك إلى تأجيج الخلافات بين إيران ودول الخليج، وهذا يحمل تعقيدات في المشهد الإقليمي وفي منطقة ملتهبة من الأساس.
فالرئيس الأميركي ترامب يصر على مطلبه الأساسي غير القابل للتنازل، وهو تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة عالية، وأي مواد تؤدي إلى امتلاك إيران للسلاح النووي، وفي المقابل يقرأ الإيرانيون رسالة كتبها الرئيس تيودور روزفلت ابان الهدنة نوفمبر 1918، يتعجب بسخرية ويتساءل: كيف اتفق الذئاب والحملان على نزع السلاح، وكيف بادرت الحملان إلى طرد كلاب الحراسة، إثباتاً لحسن النية فكانت وجبات شهية للذئاب؟
كاتب كويتي