من يتابع التصريحات الأميركية، خصوصاً خطابات الرئيس ترامب، يلاحظ أن هُناك نمطاً متكرراً يقوم على رفع سقف التهديد إلى أقصى درجة، ثم العودة للحديث عن التفاوض والاتفاق. هذا التناقض الظاهري ليس ارتجالاً سياسياً، كما يعتقد البعض، بل جُزء من مدرسة سياسية يتقنها ترامب مُنذ سنوات؛ مدرسة تقوم على خلق حالة من الضبابية لدى الخصم، بحيث لا يعرف إن كانت واشنطن تتجه نحو الحرب، أم الصفقة.
ليست كل الحروب تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق، ولا بعدد الطائرات التي تعبر السماء. بعض الحروب تُدار بالعقول، أكثر مما تُدار بالمدافع، وهذا ما يحدث اليوم في المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، فالمشهد الحالي لا يشبه الحروب التقليدية التي عرفها الشرق الأوسط، بل يبدو أقرب إلى صراع ستراتيجي طويل تُستخدم فيه القوة العسكرية، كأداة ضغط سياسية أكثر من كونها هدفاً بحد ذاتها.
في المقابل، لا تبدو إيران دولة تبحث عن مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، لكنها أيضاً لا تريد أن تظهر بمظهر الطرف المنكسر، لذلك تتبع طهران ستراتيجية مُختلفة، تقوم على امتصاص الضغوط، وإدارة الوقت، وإبقاء أوراق القوة لديها حاضرة، دون استخدامها بالكامل.
الخطأ الذي يقع فيه كثير من المحللين هو النظر إلى الصراع الحالي باعتباره مواجهة عسكرية فقط، الحقيقة أن ما يجري أقرب إلى معركة إرادات، سياسية واقتصادية ونفسية، فالولايات المتحدة لا تريد بالضرورة احتلال إيران أو إسقاط النظام بالقوة العسكرية المباشرة، لأن تكلفة مثل هذا السيناريو ستكون هائلة على المستويات، العسكرية والاقتصادية، وحتى الانتخابية داخل أميركا نفسها، أما إيران فتعرف أن الدخول في حرب مفتوحة مع القوة العسكرية الأكبر في العالم قد يهدد وجود الدولة نفسها.
لهذا السبب نشهد ما يمكن تسميته "حرب الحافة"، كلا الطرفين يقترب من الخط الأحمر، لكنه يتجنب تجاوزه بالكامل، الضربات تقع، والتهديدات تتصاعد، والقواعد العسكرية تدخل في حالة استنفار، لكن في اللحظة الأخيرة يعود الجميع إلى حسابات المصالح والخسائر.
اقتصادياً، تدرك الولايات المتحدة أن الضغط على إيران لا يتحقق فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال إبقاء الاقتصاد الإيراني تحت ضغط دائم، وفي المقابل، تراهن طهران على أن العالم لا يستطيع تحمل اضطراب طويل في أسواق الطاقة، والممرات البحرية الحيوية، ومن هنا يصبح النفط جزءاً من ساحة القتال، كما تصبح التجارة العالمية رهينة لأي تصعيد جديد.
الحروب الكبرى في الشرق الأوسط غالباً لا تبدأ بقرار معلن، بل بسلسلة أخطاء في الحسابات تتدحرج تدريجياً حتى تخرج عن السيطرة.
ومع ذلك، فإن قراءة موازين القوى الحالية تشير إلى أن الطرفين ما زالا يفضلان إدارة الصراع لا حسمه، الولايات المتحدة تريد إيران أضعف، لكنها لا تريد الفوضى الشاملة، وإيران تريد الصمود وتحسين شروطها التفاوضية، لكنها لا تريد مواجهة وجودية مفتوحة. لهذا يبدو أن السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة ليس السلام الكامل، ولا الحرب الشاملة، بل استمرار حالة التوتر المنضبط. في النهاية، تبدو المنطقة اليوم وكأنها تعيش داخل غرفة مفاوضات ضخمة، جدرانها من الصواريخ والطائرات، والجميع يتحدث بلغة الحرب، لكنهم يدركون أيضاً أن تكلفة الحرب الحقيقية قد تكون أكبر من قدرة أي طرف على تحملها، ولهذا فإن الضجيج العسكري الحالي قد يكون في جوهره محاولة للوصول إلى صفقة سياسية بشروط أفضل، لا مقدمة لمعركة النهاية كما يتخيل البعض. السؤال الحقيقي ليس: هل ستقع الحرب، بل: من سينجح أولاً في إقناع الآخر بأنه مستعد للذهاب إليها؟.
كاتب سعودي