مرايـا الروح
في زحام الحياة وتقلبات الزمان، كثيراً ما ينسى الإنسان أن أعظم مدرسة، يمكن أن يلتحق بها، لا تُشيَّد بجدران، ولا تُملأ بمقاعد، ولا تُدار بشهادات، بل تُقام في أعماق ذاته، وتدار بينه وبين ضميره، تلك هي مدرسة النفس، حيث يكون الإنسان أستاذ نفسه وتلميذها، في آنٍ واحد.
سُئل ابن المقفع، الأديب الحكيم، ذات يوم: من الذي أدّبك كل هذا الأدب؟، فأجاب بجوابٍ لا تزال أصداؤه تتردد في آذان العقول اليقظة: "نفسي"، وحينما قيل له مستنكراً: "أيؤدب الإنسان نفسه بغير مؤدب"؟ أجاب بكلمة تمثّل لبّ الفكرة وروح الحكمة: "كيف لا؟ كنت إذا رأيت في غيري حسناً تبنيته، وإن رأيت قبيحاً أبيته، فبهذا أدبت نفسي".
تلك هي الفطرة العاقلة حين تُصفّى من كدر الهوى، وتُهذَّب من غوائل الجهل، فتصبح النفس مرآة صافية، ترى في الناس انعكاساً لما تريده أن تكون عليه، لا مجرد مرآة للهوى، أو الغرور، أو التقليد.
تأديب النفس ليس طريق العاجزين، بل هو جهاد الأقوياء، أولئك الذين لا ينتظرون واعظاً خارجياً ليهذّب مسارهم، ولا صوتاً عابراً ليعيد اتزان أرواحهم، بل يسمعون صوت الحق من داخلهم، فيراجعون سلوكهم، ويقيسون أفعالهم على ميزان الحكمة، ويُرَبّون ذواتهم، كما يُربّي الفلاح زرعه، بالصبر والسقيا والتهذيب. كم من امرئ مرّ بحكمة فوقف عندها يتأمل، لا لينقلها للناس فقط، بل ليجعلها نبراساً له في ظلمة الجهل، وكم من إنسان رأى في سلوك غيره عيباً، فحرص أن لا يكون على شاكلته، فجعل من الخطأ عبرة، ومن الزلل تذكرة، ومن الحسن قدوة. في هذا المسلك الروحي، يرقى الإنسان من طور التقليد إلى مرتبة التحرّر الذاتي، فلا يكون صالحاً لأن أحدهم أمره، بل لأنه رأى في الصلاح حياة لقلبه، ونوراً لبصيرته، وسكينةً لروحه.
إننا في زمن طغت فيه المؤثرات الخارجية، وتكاثرت الأصوات التي تزاحمنا في كل اتجاه، بأفكار وآراء وتوجهات، لكن لا يزال الإنسان –إن أراد– قادراً أن ينصت إلى صوته الداخلي، إلى تلك الفطرة التي أودعها الله فيه، تهديه حين تزيغ العيون، وتنبّهه حين تسكن الجوارح.
تأديب النفس إذاً، ليس مشروعاً عابراً، بل هو رحلة العمر، يبدأها المرء بمحاسبة دقيقة، ومراقبة مستمرة، وتواضع يجعله يتعلم من كل أحد، ويأخذ عن كل حكيم، ويهتدي بكل شعاع نورٍ يمر أمامه.
من هنا، تتجلّى روعة مقولة ابن المقفع، لا باعتبارها شهادة ذاتية على حسن سلوكه، بل كدعوة عميقة لكل من أراد السير في دروب الكمال، أن يبدأ بنفسه، فإن أصلحها، صلح له كل شيء.
فيا من تنشد التهذيب والرقي، لا تنتظر مؤدباً خارجياً، بل انظر في نفسك، وعلّمها، وقم على تأديبها، فإنك إن أفلحت في ذلك، فقد ملكت ناصية الحياة.
كاتبة كويتية