الخميس 04 يونيو 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
قبل إغلاق المكتب الثقافي في كندا... من يستمع لصوت الطلبة؟
play icon
كل الآراء

قبل إغلاق المكتب الثقافي في كندا... من يستمع لصوت الطلبة؟

Time
الأربعاء 03 يونيو 2026
د. فهد الناصر

إلى وزير التعليم العالي: ليست كل القرارات الإدارية تُقاس بالأرقام، وليست كل المؤسسات تُقاس بعدد المستفيدين منها فقط، فهناك جهات تمثل حضور الدولة، وتحفظ مصالح أبنائها مهما كان عددهم، وتعزز الثقة بمؤسسات العالم.

ومن هذا المنطلق يأتي الحديث عن المكتب الثقافي الكويتي في كندا، الذي تتردد اليوم أحاديث حول إمكانية إغلاقه، في وقت تبدو فيه الحاجة إليه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

لقد تأسس المكتب الثقافي الكويتي في كندا عام 2012، بعد مطالبات وحاجة فعلية فرضها الواقع التعليمي، آنذاك. فالساحة الكندية شهدت نمواً ملحوظاً في أعداد الطلبة الكويتيين، حتى أصبح الملف الطلابي يشكل جانباً كبيراً من عمل السفارة الكويتية. وقد برزت حينها قناعة واضحة لدى المسؤولين بأهمية إنشاء مكتب ثقافي متخصص يتولى الإشراف الأكاديمي والإداري على الطلبة، ويكون حلقة الوصل بين وزارة التعليم العالي والجامعات الكندية والطلبة الكويتيين.

اليوم، ونحن نستمع إلى احتمال إغلاق هذا المكتب، يحق لنا أن نتساءل: هل تغيرت الحاجة التي من أجلها أُنشئ، وهل انتهت مسؤولية الدولة تجاه أبنائها المبتعثين، في واحدة من أهم الساحات التعليمية في العالم؟

إن من الصعب تقبل فكرة إغلاق المكتب للأسباب التالية:

أولاً: لأن وجود المكتب الثقافي لم يكن قراراً عشوائياً، أو ترفاً إدارياً، بل جاء استجابة لحاجة حقيقية فرضتها طبيعة الساحة التعليمية الكندية، وهو ما أدركته السفارة الكويتية، منذ سنوات، عندما طالبت بوجود جهة متخصصة تتولى شؤون الطلبة، وتتابع قضاياهم الأكاديمية والمعيشية.

ثانياً: لأن نقل الملف الطلابي بالكامل إلى السفارة سيعيد المشكلة إلى نقطة البداية، ويحمّل البعثة الديبلوماسية أعباءً تربوية وأكاديمية ليست من صميم اختصاصها، بينما يبقى الدور الأساسي للسفارة سياسياً، وديبلوماسياً، وتمثيلياً للدولة.

ثالثاً: لأن المكتب الثقافي استطاع، خلال سنوات عمله، بناء علاقات مباشرة، واتفاقيات تعاون مع عدد من الجامعات الكندية المرموقة، وأسهم في تسهيل قبول الطلبة الكويتيين، خصوصاً في التخصصات الحيوية والنادرة، مثل الطب البشري، وطب الأسنان، والصيدلة.

رابعاً: لأن الطالب المبتعث لا يحتاج فقط إلى جهة تصرف مخصصاته، أو تعتمد تسجيله الدراسي، بل يحتاج إلى جهة تمثله، وتحمي مصالحه، وتتدخل عند وقوع أي إشكالات، أكاديمية أو إدارية، مع الجامعة، وهي أدوار لا يمكن اختزالها في المراسلات الإلكترونية، أو الإجراءات الروتينية.

خامساً: لأن الاستناد إلى تعثر بعض الطلبة في استكمال دراستهم، كمبرر لإغلاق المكتب هو استنتاج غير منصف. فكما توجد حالات تعثر في جميع دول الابتعاث، هناك أيضاً عشرات النماذج المشرفة من الأطباء والمهندسين والصيادلة، والمتخصصين الكويتيين، الذين تخرجوا من الجامعات الكندية بنجاح وتميز.

سادساً: لأن كلفة المكتب التشغيلية تظل متواضعة إذا ما قورنت بمكاتب ثقافية أخرى في دول مختلفة، وبالتالي فإن المكاسب، الأكاديمية والوطنية، التي يحققها تفوق بكثير أي وفر مالي قد ينتج عن إغلاقه.

سابعاً: لأن انخفاض أعداد الطلبة في كندا لا يمكن تحميله للساحة الكندية أو للمكتب الثقافي، بل يرتبط إلى حد كبير بسياسات الابتعاث، وخطط التخصصات المطروحة. فكلما توسعت فرص الابتعاث والتخصصات المعتمدة، ارتفعت أعداد الطلبة.

إن القضية اليوم ليست قضية مبنى، أو مكاتب، أو وظائف إدارية، بل قضية رؤية ستراتيجية لمستقبل الابتعاث الكويتي. فالدول التي تستثمر في الإنسان لا تقلص أدوات دعمه، بل تعززها وتطورها، وتستفيد من خبراتها المتراكمة.

وإذا كانت هناك ملاحظات على أداء المكتب، أو حاجة إلى إعادة هيكلة، أو تطوير، فإن العلاج يكون بالتقييم والتطوير، لا بالإلغاء.

أما إذا كان الهدف هو ترشيد الإنفاق، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: هل يوفر إغلاق المكتب مبالغ تستحق خسارة شبكة العلاقات الأكاديمية، والخبرة المتراكمة، وخدمات الدعم التي بُنيت على مدى سنوات؟

لذلك فإننا نأمل من معالي وزير التعليم العالي التريث قبل اتخاذ أي قرار نهائي، وتشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين من وزارة التعليم العالي ووزارة الخارجية، والسفارة الكويتية في كندا، لدراسة الملف من جميع جوانبه، والاستماع إلى آراء الطلبة والخريجين، والجامعات ذات العلاقة، وصولاً إلى قرار مؤسسي يخدم مصلحة الكويت أولاً وأخيراً.

فالمكاتب الثقافية ليست مجرد هياكل إدارية خارج الوطن، بل هي امتداد لدولة الكويت في رعاية أبنائها أين كانوا.

آخر الأخبار