الجمعة 05 يونيو 2026
34°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
تحديات تسليع التعليم الأكاديمي
play icon
كل الآراء

تحديات تسليع التعليم الأكاديمي

Time
الخميس 04 يونيو 2026
د. ناصر حسين عباس

تشهد الساحة التعليمية العالمية مراجعات، فلسفية وهيكلية، عميقة، لعل أبرزها ما أثارته النقاشات الأخيرة حول عجز الجامعات النخبوية العالمية (كرابطة اللبلاب الأميركية) عن مواجهة أزمات أخلاقية وتربوية مستجدة، مثل الغش الجماعي الممنهج عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتنامي ظاهرة سيكولوجية وسلوكية تُعرف بـ"الفردانية النفعية"؛ إذ يتحول الطالب من عنصر فاعل في مجتمع أكاديمي تكافلي إلى "مستهلك" يبحث عن تعظيم منفعته الشخصية، واقتناص الشهادة بأسرع الوسائل، دون أدنى شعور بالمسؤولية المجتمعية، أو الأثر التراكمي لسلوكه.

إن هذا التسليع للتعليم حوّل المؤسسات الأكاديمية الكبرى إلى شركات خدمية تقدم الوجاهة الاجتماعية، بينما نجحت نماذج كليات العمل الصغيرة في الحفاظ على هوية التعليم الأخلاقية، عبر ربط المعرفة بالمسؤولية المادية المباشرة، مثل إلزامية العمل اليدوي لإدارة الحرم الجامعي، وتسيير شؤونه؛ مما يربط الطالب بواقعه ويصنع لديه ما يُسمى سوسيولوجياً "الرنين الاجتماعي" (التأثر بالعالم والتأثير فيه).

وفي دولة الكويت، ونحن نعيش طفرة في التوسع الأكاديمي، وجامعات النخبة، لسنا بمعزل عن هذه التحديات. إن سياسة الرعاية الاجتماعية والتعليم المجاني- رغم نبلها وأهميتها الستراتيجية- قد تفرز آثاراً جانبية غير مقصودة، إن لم تُحكم تربوياً، أبرزها تعزيز عقلية الاستحقاق السلبي لدى بعض الطلبة، إذ يُنظر إلى الجامعة كمرفق خدمي، غايته تدليل الطالب، وتزويده بشهادة تضمن له وظيفة مكتبية مريحة، دون غرس حقيقي لثقافة البناء، والمواطنة الصالحة.

ولتفادي هذا المأزق التربوي في البيئة الجامعية الكويتية، يتعين علينا صياغة ستراتيجية وطنية، ترتكز على المحاور التالية:

أولاً: التحول نحو التعلم القائم على الخبرة الحية: يجب ألا يقتصر الحرم الجامعي على قاعات المحاضرات المغلقة؛ بل ينبغي تحويله إلى مجتمع عضوي مصغر. نقترح الزامية انخراط الطلبة بجميع تخصصاتهم في مشاريع تشغيلية وصيانة حقيقية داخل أسوار الجامعة (كإدارة المرافق، والتشجير، والتنظيم الإداري)، لكسر النظرة الفوقية للعمل اليدوي، وتعميق الارتباط بالأرض والمؤسسة.

ثانياً: إعادة صياغة برامج الخدمة المجتمعية كمتطلب تخرج إلزامي: الانتقال من صيغة الأنشطة التطوعية الهامشية، أو الاستعراضية إلى برامج تنموية إلزامية، وممنهجة ترتبط بالهيكل الائتماني للمساقات الدراسية، وتضع الطالب في مواجهة مباشرة مع مشكلات، وتحديات المجتمع الكويتي الواقعية (البيئية، المرورية، والتركيبة السكانية).

ثالثاً: حوكمة تشاركية حقيقية للطلبة: تمكين الروابط والجمعيات الطلابية من أدوار رقابية، وتنفيذية مسؤولة، داخل المجالس الأكاديمية واللجان الاستشارية للجامعات، بحيث يدرك الطالب أن قراره وأفعاله اليومية تشكل ملامح المؤسسة، وتؤثر في مستقبلها، لينتقل من عقلية "المستهلك للدرجة العلمية" إلى عقلية "الشريك الصانع للتعليم".

إن مواجهة تحديات المستقبل، والتحصين ضد البطالة التكنولوجية في عصر الذكاء الاصطناعي، لن يتحققا بمجرد حشو عقول أبنائنا بالمعلومات النظرية، أو تكديس سيرهم الذاتية بمهارات استعراضية، بل بتمكينهم من مهارة العيش والمسؤولية الشاملة.

إن التعليم الحقيقي هو موقف أخلاقي وسلوكي تجاه المجتمع؛ والجامعة ليست محطة تزويد بالوقود، بل هي المصنع الأول والأهم لصناعة الإنسان الكويتي الواعي، والقادر على العطاء والاستدامة.

كاتب كويتي

آخر الأخبار