الجمعة 05 يونيو 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الانشغال الجديد... عندما أصبح هدر الوقت يبدو إنجازاً
play icon
كل الآراء

الانشغال الجديد... عندما أصبح هدر الوقت يبدو إنجازاً

Time
الخميس 04 يونيو 2026
هلا بدر الحميضي

لطالما ارتبط مفهوم هدر الوقت في أذهان الناس بالكسل، أو الجلوس لساعات طويلة دون عمل أو هدف. وكان من السهل في السابق أن يميز الإنسان بين الوقت الذي يستثمره والوقت الذي يهدره.

أما اليوم، فقد أصبح الأمر أكثر تعقيداً، لأن هدر الوقت لم يعد يرتدي ثوب الفراغ، بل أصبح يتخفى خلف الانشغال الدائم. ولهذا السبب، نجد كثيراً من الناس يشعرون بالإرهاق في نهاية اليوم، رغم أنهم لم ينجزوا ما كانوا يطمحون إليه. نعيش في عصر لم يسبق له مثيل من حيث سرعة تدفق المعلومات. فبضغطة زر واحدة نستطيع الوصول إلى الأخبار، والرسائل، والصور، ومقاطع الفيديو، والآراء، والتعليقات من مختلف أنحاء العالم. ورغم أن هذه الثورة التقنية قدمت للبشرية فوائد هائلة، فإنها في الوقت نفسه خلقت تحدياً جديداً يتمثل في كيفية إدارة الوقت والانتباه. المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالكثير من الأشخاص يبدأون يومهم بتفقد هواتفهم، قبل أن يغادروا أسرتهم، ويستمرون في التنقل بين التطبيقات طوال اليوم. إشعار صغير قد يقطع سلسلة من الأفكار المهمة، ورسالة عابرة قد تسحب الإنسان إلى نصف ساعة من التصفح غير المخطط له. ومع تكرار هذه المقاطعات، يصبح التركيز العميق أمراً نادراً.

ومن الظواهر الحديثة التي تستحق التأمل ما يمكن تسميته بـ"وهم الإنجاز". فهناك فرق كبير بين أن تكون مشغولاً وأن تكون منتجاً. قد يقضي شخص ساعات طويلة في الرد على الرسائل ومتابعة البريد الإلكتروني، وحضور الاجتماعات، ومراجعة الأخبار، لكنه لا ينجز المهمة الأساسية التي تقربه من هدفه الحقيقي.

ومع مرور الوقت، يتحول الانشغال إلى غاية بحد ذاته، ويصبح الشعور بالحركة المستمرة بديلاً عن التقدم الفعلي.

كما أن الإفراط في استهلاك المحتوى أصبح شكلاً جديداً من أشكال هدر الوقت. فنحن نقرأ الكتب، ونشاهد الدورات التدريبية، ونتابع الخبراء والمتحدثين، لكننا لا نطبق إلا جزءاً بسيطاً مما نتعلمه. لقد أصبح جمع المعلومات أسهل من أي وقت مضى، لكن تحويلها إلى أفعال وسلوكيات لا يزال هو التحدي الأكبر. فالمعرفة التي لا تُترجم إلى عمل تبقى مجرد معلومات مخزنة لا تغير شيئاً في الواقع.

ولا يمكن الحديث عن هدر الوقت في العصر الحديث، دون الإشارة إلى الخوف من فوات الفرص، أو ما يعرف بالـ"فومو". فالكثير من الناس يشعرون بالحاجة إلى متابعة كل جديد، والاطلاع على كل خبر، ومراقبة كل ما يفعله الآخرون.

هذا السلوك يستهلك ساعات طويلة من اليوم، ويجعل الإنسان يعيش في حالة مقارنة مستمرة، فيفقد القدرة على الاستمتاع بما لديه والتركيز على أهدافه الخاصة.

إن أخطر ما في هدر الوقت الحديث أنه لا يجعلنا نشعر بأننا نهدر الوقت. فنحن منشغلون دائماً، متصلون دائماً، ومتابعون لكل ما يحدث من حولنا. لكن السؤال الحقيقي هو: هل كل هذا الانشغال يقودنا إلى حياة أفضل، أم أنه مجرد ضجيج يملأ أيامنا؟

في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن الوقت قصير، بل في أن المشتتات أصبحت كثيرة. فالجميع يمتلك24 ساعة في اليوم، لكن الفرق بين شخص وآخر يكمن في كيفية استثمارها. وفي عالم يتنافس فيه الجميع على جذب انتباهنا، قد تكون القدرة على حماية وقتنا، وتركيزنا من أهم المهارات التي نحتاجها اليوم. فالوقت مورد لا يمكن تعويضه، وما يضيع منه لا يعود أبداً، لذلك فإن أعظم استثمار يمكن للإنسان أن يفعله هو أن يمنح وقته لما يستحقه حقاً، وأن يوجه انتباهه نحو ما يضيف قيمة حقيقية إلى حياته، بدلاً من أن يبدده في دوامة الانشغال المستمر.

مدرب حياة معتمد واستشاري علم الشخصيات والعلاقات العامة

آخر الأخبار