الأحد 07 يونيو 2026
34°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
التصحّر البحري... التهديد الصامت للنظم البيئية
play icon
كل الآراء

التصحّر البحري... التهديد الصامت للنظم البيئية

Time
السبت 06 يونيو 2026
د.ناصر حسين عباس

لا يُعد التصحّر البحري (Marine Desertification) ظاهرة بيئية هامشية، يمكن التعامل معها بوصفها تراجعاً عابراً، في جودة الموائل المائية، بل هو متلازمة بيئية مركّبة، تبدأ بفقدان تدريجي للموائل الطبيعية، لتمتد تداعياتها بشكل تراكمي إلى انهيار الخدمات النظمية التي تقدمها البحار، ومن ثم تنعكس سلباً على البنى الاقتصادية، ومسارات التنمية المستدامة برمّتها.

إنها عملية خفية تتآكل فيها قدرة البيئة البحرية على التجدد، وتفقد معها الأنظمة الصوتية الطبيعية، التي تميز الكائنات الحية توازنها الحيوي، لتحل محلها حالة من الصمت المطبق، الذي ينذر بخلل بيئي عميق.

يكشف الرصد العلمي في المنطقة البحرية التابعة للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، في الخليج العربي، عن تسارع مقلق في مؤشرات هذا التدهور، حيث تتراجع الشعاب المرجانية والغطاءات النباتية البحرية، وتختل وظائف السلاسل الغذائية، التي تدعم التنوع الإحيائي. وهذا الصمت البيئي الذي يلف الأعماق لم يعد مجرد مؤشر رصدي، بل تحول إلى إشارة إنذار مبكر تستوجب تدخلاً فورياً، قائماً على أسس علمية صلبة. فالاستمرار في تجاهل هذه الظاهرة، يعني السماح بفقدان البحار لصوتها الطبيعي، وهو ما يحمّل المجتمعين، العلمي والسياسي، مسؤولية أخلاقية وتنموية عاجلة.

الأسباب البنيوية: لماذا الخليج العربي الأكثر عرضة للتصحر؟

يُعتبر الخليج العربي حوضاً شبه مغلق يتميز بظروف هيدروغرافية قاسية بطبيعتها؛ من عمق ضحل (متوسط 35 متراً)، ومعدلات تبخر عالية جداً، إلى درجات حرارة، ومستويات ملوحة تُعد الأعلى عالمياً. ومع ذلك، فإن الضغوط البشرية المتسارعة دفعت بهذه البيئة الهشة نحو حافة "التصحر البحري":

الاحترار واشتداد الملوحة: أدى التغير المناخي إلى تكرار موجات الاحترار البحري الشديدة، مما تسبب في ابيضاض واسع النطاق للشعاب المرجانية، وفقدان مروج الحشائش البحرية (Sea Grasses) التي تمثل الحواضن الأولى للثروة السمكية.

الضغط الصناعي ومحطات التحلية: تعتمد دول الخليج بشكل أساسي على محطات تحلية مياه البحر، والتي تطرح كميات ضخمة من المياه الرجيعة شديدة الملوحة والحرارة (Brine) مباشرة في البيئة الساحلية، مما يخلق مناطق شبه ميتة كيميائياً وحرارياً.

الأنشطة الساحلية والردم: أدت عمليات دفن السواحل، واستصلاح الأراضي، وبناء الجزر الاصطناعية إلى تدمير ميكانيكي مباشر لغابات المانغروف، والمصائد الطبيعية، فضلاً عن زيادة عكورة المياه التي تحجب الضوء عن النباتات البحرية.

التداعيات الاقتصادية والتنموية: إن تحول قاع الخليج العربي إلى مساحات قاحلة لا يقف عند حدود الخسارة البيولوجية، بل يضرب في عمق الأمن الغذائي، والأمن المائي لدول المنطقة:

يؤدي تراجع المخزونات السمكية (مثل الهامور والزبيدي والسبيطي) بفعل فقدان موائلها، وتدمير حضاناتها إلى تهديد مباشر لقطاع الصيد، التقليدي والتجاري، مما يرفع الاعتماد على الاستيراد، ويهدد استقرار الأسواق المحلية.

ومن الناحية الهندسية، تفقد السواحل الخليجية خطوط دفاعها الطبيعية؛ فالشعاب المرجانية، وغابات المانغروف المتدهورة، تصبح عاجزة عن امتصاص طاقة الأمواج، مما يرفع كلفة صيانة البنى التحتية الساحلية جراء النحر المستمر للشواطئ.

خارطة الطريق: إن إعادة تأهيل النظم البحرية المتدهورة في الخليج العربي تتطلب مقاربة متكاملة، تقوم على الحماية الفاعلة، لا على الصمت والترقب، وتتلخص في ثلاثة مسارات ستراتيجية عاجلة:

1 - إعلان محميات بحرية عابرة للحدود: إنشاء شبكة محميات خليجية مشتركة (MPAs) تحظر الصيد، والأنشطة الإنشائية في الموائل الحرجة، لتوفير ملاذات آمنة لتعافي الأنواع الحية.

2 - الابتكار البيئي في التحلية: الزام محطات التحلية بتبني تقنيات "التصريف الصِفري للسوائل" (ZLD) والابتكار في تشتيت المياه الرجيعة بعيداً عن السواحل الضحلة.

3 - التأهيل الفعال للموائل: التوسع في استزراع سلالات المرجان الخليجي القاسي، والأكثر تحملاً للحرارة، وإعادة استزراع أشجار القرم (المانغروف) على نطاق واسع لامتصاص الكربون، وإعادة الحياة للأعماق.

وحده الوعي الجمعي الخليجي المدعوم بإرادة سياسية، وتنسيق إقليمي صارم، قادر على إعادة كتابة المشهد البيئي، وضمان استدامة موارد هذا الشريان الحيوي للأجيال القادمة.

كاتب كويتي

آخر الأخبار