أصبحت حركة "حماس"، جناح جماعة الإخوان المسلمين الفلسطيني، شريكاً لا طرفاً محايداً في العدوان الإيراني على دول الخليج العربي، بعد إعلانها أنها في "قلب الحرب مع إيران لا مجرد مراقب لها".
وتأكيداً على ذلك الخذلان والشراكة اللذين تنتهجهما حركة "حماس"، صدر عنها اخيراً بيان لنعي "شهداء" إيران، في وقت استمر فيه سيناريو تجاهل قياداتها للعدوان الإيراني على دول الخليج، وضحاياه، وما خلّفه من دمار في البنية التحتية.
لقد بلغت أصداء العدوان الإيراني على دول الخليج الآذان الأكثر صمماً في العالم منذ لحظاته الأولى، غير أن حركة حماس احتاجت إلى نحو أسبوعين لتصدر بياناً شكلياً بدا أقرب إلى مكياج إعلامي متأخر، لا يتجاوز حدود رفع العتب، وذرّ الرماد في العيون الخليجية، من دون أن يعكس موقفاً واضحاً يرقى إلى حجم الاعتداء وخطورته.
ولا يجوز النظر إلى بيان حركة "حماس" الأخير بشأن حرب إيران بوصفها حركة سياسية وإسلامية، بمعزل عن محاولات تبادل الأدوار مع جماعة الإخوان المسلمين في الكويت، "الحركة الدستورية"؛ فهؤلاء يعوّلون دائماً على ضعف الذاكرة البشرية، وعلى التلاعب بعوامل الزمن والتاريخ.
وبأبشع لغة وأقبح صورة، أصدرت حركة "حماس"، بعد مرور خمسة عشر يوماً على بداية العدوان على دول الخليج، بيان النكران الأخلاقي والتضامن في آن واحد، من دون خجل يحفظ ماء الوجه، ولا وجل من التاريخ، أو المستقبل السياسي، وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
لقد فضح الغزو العراقي للكويت موقف حركة "حماس"، حين أيّدت الغزو ومصادره العراقية، غير أن جماعة "الإخوان" في الكويت (الحركة الدستورية) استمرأت لاحقاً ترميم مواقف الخذلان التي صدرت عن الجماعة الإسلامية المسيّسة، معوّلةً على ضعف الذاكرة البشرية، كي يستمر الحشد والتعبئة لصالح "حماس"، وعمليّة السابع من أكتوبر.
لن يتغير "الإخوان" في الكويت وخارجها، ولن يتغير جناحهم الفلسطيني في حركة "حماس"؛ فالأدوات ذاتها، والوسائل ذاتها، والعقلية ذاتها التي تمارس الميكيافيلية في الدين والسياسة.
ولا ينبغي التهاون مع بيان "حماس"، بيان النكران والخذلان؛ فالتضامن مع نظام الولي الفقيه لا تخطئه العين في هذه الأيام.
كما لا ينبغي التعامل مع بيان الحركة من زاوية نضالية فلسطينية أو إسلامية مجردة؛ فالخطر واحد حين تتقاطع مصالح إيران مع حركة "حماس" وجماعة الإخوان المسلمين، وتتطابق مواقفهم وحججهم وذرائعهم.
فـ"الإخوان المسلمون" – في جوهر مواقفهم– يساومون على مصالح دول الخليج وشعوبها، ولا يجدون حرجاً في الحفاظ على مصالحهم السياسية مع النظام الإيراني، حتى في لحظات العدوان الآثم على دول الخليج.
نحن في ظروف حرجة لا تسمح بالانصراف عن لبّ التحدي، وهو العدوان الإيراني على دول الخليج، غير أننا سنعود لاحقاً إلى تسليط الضوء على فضائح الإسلام السياسي في الكويت، من واقع مواقف موثقة لحركة "حماس" إبّان الغزو العراقي للكويت، وبعد التحرير.
ينظر "الإخوان المسلمون" –في "حماس" والكويت– إلى الأزمات السياسية والعسكرية من زاوية مصالحهم التنظيمية، لا من زاوية مصالح الدول الخليجية التي لم تتأخر يوماً في الدعم السياسي والمالي؛ لكنهم يتنكرون حيناً، ويبررون ضبابية مواقفهم حيناً آخر، من دون خجل أو وجل من التاريخ السياسي.
إن بيان "حماس" ليس مجرد خطأ سياسي عابر، بل هو كاشفٌ صريح لميزان الولاءات حين تتقاطع مصالح التنظيم مع حسابات الإقليم، فحين يتعرض الخليج لعدوان إيراني مباشر، لا يعود الصمت حياداً، ولا يصبح البيان المتأخر موقفاً أخلاقياً؛ بل يتحول إلى شاهد إدانة على انحياز لا يمكن تجميله بالشعارات.
وفي هذه اللحظة تحديداً، بدا واضحاً أن هذه الجماعات الإسلامية لا ترى في الخليج شريكاً في المصير، بل ساحة للتمويل والدعم فقط، ثم تنقلب إلى ضبابية المواقف حين تمتحنها الأحداث.
الخليج اليوم لا يواجه صواريخ إيران وحدها، بل يواجه أيضاً ازدواجية الخطاب السياسي لدى جماعات تتحدث باسم الأمة والدين، في حين تتحرك وفق حسابات التنظيم والمصلحة السياسية.
ولذلك فإن الذاكرة الخليجية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تبقى يقظة، لأن أخطر ما تراهن عليه هذه الجماعات المسيّسة ليس القوة، بل ضعف الذاكرة.