في الأزمات الكبرى، لا سيما الحروب، تعمل الحكومات على أساس الاستدامة للاقتصاد الوطني، عبر خطط لا تستند إلى حالة الرخاء التي كانت موجودة قبل الحرب، فتعمل على خفض الضرائب والرسوم، وإفساح المجال أمام المستثمرين للعمل بأريحية، وليس تكبيلهم.
كذلك فهي تأمر البنوك كي لا تلاحق المقترضين، بل إنها تعمل على خفض الفوائد، لأن ذلك يساعد على دورة مالية نشيطة، وهذا بدوره يساعد على الاستقرار، لأن المطلوب خفض التوتر المجتمعي، وكذلك المساعدة على استمرار التدفقات المالية مع ضبط أسعار السلع، لا سيما الوطنية منها، لأن في اقتصاد الحرب المور تختلف كليا، ويصبح الهم الرئيس للحكومات تخفيف المشكلات، كي لا تنشغل أجهزتها بغير الحرب.
في هذه المنطقة، نحن نعيش في حالة عدم استقرار منذ سنوات عدة، ومرت على البلاد أزمات عدة، وكلها كانت تضغط على الاستثمار المحلي، وتزيد من مشكلات أصحاب الأعمال، وهذا كانت له تبعات عدة بدأت تظهر تباعاً، وزاد عليها القرارات التي اتخذت بالحد من تشجيع الاستثمار المحلي، لا سيما عدم تصرف المستثمر بحق الانتفاع في القسائم الصناعية والحيازات الزراعية، والمطالبة المستمرة من البنوك بتسديد القروض، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة والكويت.
هنا علينا الاعتراف بأن الكويت، ومنذ الغزو العراقي عانت الكثير مما تركه ذلك الوضع الاستثنائي، لاسيما أن الغزاة دمروا الكثير من المرافق، وكذلك شلوا الحركة التجارية في البلاد.
ورغم تعافيها من ذلك إلا أنها لا تزال تعاني، لهذا حين جاءت جائحة "كورونا" أضافت تبعات سلبية، لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم، ومع الوضع السياسي الداخلي الذي كان قائماً منذ ما بعد العام 1992، حتى 20 ديسمبر عام 2023، فإن كل ذلك غير منهجية العمل التي كانت قائمة قبلها على إعادة توجيه الاستثمار إلى الداخل، خصوصاً بعد تحرير العراق عام 2003، من نظام صدام حسين.
لكن تلك النكسة كانت عندما اندلعت الحرب الحالية، التي أثرت في الوضع الداخلي في ما يتعلّق بالجمود الذي يعاني منه الاقتصاد المحلي، لأن القوانين المعمول بها لا تساعد على توفير أوضاع تساعد الشركات والمؤسسات والمستثمرين، لا سيما أن الحكومة لم تضع إجراءات حمائية تخفف من آثار الحرب، التي يبدو أن آثارها ستبقى لسنوات عدة، ما يؤدي إلى المزيد من الضغط على الوضع الاستثماري والاقتصاد عموماً.
من هذا المنطلق على مجلس الوزراء واجبات تجاه المواطنين، أولها التخفيف عنهم، عبر إقرار قوانين تخدم الحفاظ على قوة الوضع الاقتصادي، ففي الأزمات تعمل الحكومات على ميسرة الناس، وليس المعسرة، والتخفيف عن الشركات، وليس الإمعان في تراجع إنتاجها، من خلال المطالبات المالية، بينما الواقع يتطلب المساعدة للحفاظ على الحركة التجارية.
ثمة مقولة تنقل عن وزير الدفاع الأميركي الأسبق جورج مارشال، وهي "حين تسمع هدير المدافع عليك أن تبدأ بالتخطيط للإعمار، وتنشيط الاقتصاد وبِع مع موسيقى السلام"، (بالمناسبة إن هذا الرجل صاحب "برنامج التعافي الأوروبي" الذي أعاد إعمار القارة العجوز)، وهذا لا شك يعني أول ما يعني عدم تكبيل المقترضين لأنهم الأكثرية، وهم عماد الاقتصاد، وهم من يعملون على تدوير رأس المال الذي يعود بالفائدة على البلاد كلها في نهاية المطاف.
لذا، حين تطلب الدولة من شعبها التضحيات، ويقدم ذلك بكل رحابة صدر، فإن من واجب حكومتها أن تضحي في اوقات المعسرة، كي تتمتع بقوة اقتصادها في أوقات الرخاء.