رحم الله الدكتور صالح العجيري، ذلك العالم الفلكي الكويتي، الذي لم يقتصر علمه على رصد النجوم وحساب المواقيت، بل امتد إلى قراءة مستقبل المنطقة ببصيرة ستراتيجية نادرة.
فقبل أكثر من أربعة عقود، أطلق تحذيراً بدا للكثيرين بعيداً عن الواقع، حين قال: "المعركة المقبلة في منطقتنا لن تكون على النفط، بل على الماء". واليوم، ونحن في عام 2026، لم تعد هذه المقولة مجرد تنبؤ، بل أصبحت عنواناً لأخطر الملفات الأمنية والسياسية التي تواجه دول المنطقة.
رؤية سابقة لزمنها إذ كان العجيري يدرك طبيعة الخارطة الجغرافية للشرق الأوسط: شح الأمطار، واعتماد أغلب الأنهار على منابع خارجية. فدجلة والفرات تنبعان من تركيا، ونهر النيل من الهضبة الإثيوبية، وأنهار إيران من مرتفعاتها. ومن هنا جاء استنتاجه أن "من يتحكم بمصدر المياه، يتحكم بمصير الشعوب". لم تكن دعوة للتشاؤم، بل قراءة علمية لعلاقة الجغرافيا بالصراع.
الواقع يصدّق النبوءة ما حذّر منه العجيري نعيشه اليوم بكل تفاصيله:
دجلة والفرات: مع بناء تركيا لأكثر من 22 سداً ضمن مشروع "الأناضول"، انخفضت حصة العراق المائية إلى أقل من 50 في المئة من حصته التاريخية. مدينة البصرة باتت تعاني من ملوحة المياه، وتراجع الزراعة، لتتحول تحذيرات العجيري عن "جفاف الفرات" إلى معادلة يومية.
نهر النيل: يمثل سد النهضة الإثيوبي تحدياً وجودياً لمصر والسودان. والمفاوضات المتعثرة تؤكد أن ملف المياه لم يعد ملفاً فنياً، بل قضية أمن قومي بامتياز، تماماً كما وصفها العجيري بـ"جثة مصر بلا نيل".
دول الخليج: تعتمد بنسبة تتجاوز 90 في المئة على تحلية مياه البحر. أي اضطراب في مصادر الطاقة يعني تهديداً مباشراً للأمن المائي. وهنا تتجلى حكمة وصية العجيري بدعوته المبكرة للاستثمار في المياه الجوفية، ومحطات التحلية النووية، كخيار ستراتيجي بعيد المدى.
التوفيق بين الرؤية والحدث: إن قراءة العجيري لا تتعارض مع الواقع، بل تفسّره وتسبقه. فسياسياً، تبنت الكويت هذا الملف وأصبحت وسيطاً إقليمياً في "ديبلوماسية المياه"، وهو ما يعكس صحة رؤيته. وعلمياً، أثبتت تقارير المناخ الدولية أن تغير المناخ بات "مضاعفاً للصراعات"، وهي الفكرة ذاتها التي أشار إليها العجيري قبل عقود.
وأمنياً، فإن شح المياه يعني هجرة قسرية، وتوتراً اجتماعياً، وبيئة خصبة للتطرف، وهي معادلة يدركها رجال الأمن جيداً: فاستقرار الدول اليوم يبدأ من "السد" قبل "الدبابة".
خاتمة، لقد كان الدكتور صالح العجيري أكثر من عالم فلك. كان ستراتيجياً قرأ خريطة المستقبل قبل أن تُرسم حدودها. وحرب المياه التي حذر منها لم تعد سيناريو افتراضياً، بل باتت بنداً ثابتاً في أجندة مجلس الأمن الدولي. ولعل أفضل ما نختم به كلماته التي تختصر الأزمة: "المياه أغلى من النفط، لأن النفط يولع، والمياه تحيي. ومن يتحكم بالحياة، يتحكم بالكل".
رحمه الله، فقد ترك لنا بوصلة لفهم صراعات الغد.
لواء متقاعد