الثلاثاء 09 يونيو 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
إيقاظ وعينا الروحي
play icon
كل الآراء

إيقاظ وعينا الروحي

Time
الاثنين 08 يونيو 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

في عالم يضجّ بالكلمات، ويقلّ فيه الإصغاء إلى جوهرها، ويغيب فيه التأمل في المعاني، تقف مقولة: "المجادلة مع الأغبياء تشبه محاولة قتل بعوضة وقفت على خدك، قد تقتلها أو لا تقتلها، لكن في كلتا الحالتين سينتهي بك الأمر أن تصفع نفسك"، كجرس إنذار يوقظ وعينا الروحي، ويحثّنا على إعادة التفكير في معاركنا الكلامية اليومية.

ليست كل معركة جديرة أن تُخاض، ولا كل رأي يستحق الردّ، فكم من روح أنهكها الجدل، وكم من سلامٍ داخليٍّ تمزّق في سبيلِ إثبات وجهة نظر؟

إن الدخول في مجادلةٍ عقيمة مع من لا يملك الاستعداد للفهم، يشبه السقوط في فخِّ الاستنزاف النفسي، الذي لا يؤذي سوى صاحبه. تماماً كمن يحاول قتل بعوضة على وجهه: النتيجة غالباً صفعة للذات، أكثر من كونها انتصاراً على الآخر.

رُوي أن رجلاً جاء إلى الإمام الشافعي، رحمه الله، وأراد أن يخاصمه في مسألة علمية، فردّ عليه الإمام بهدوء قائلاً: "إن كنتَ صادقاً فلن أجادلك، وإن كنتَ كاذباً فلا فائدة من مجادلتك".

فاندهش الرجل وسكت، وخرج الناس من حول الإمام وهم يتأملون هذا العمق في التعامل مع الجدل، فالفقيه لم يكن عاجزاً عن الرد، لكنه كان أسمى من أن يُنزل نفسه إلى نقاش فارغ يُغذي الأنا، ولا يُثمر فهماً.

هذا الموقف يكشف أثر الحكمة في التعامل مع الناس، وغيره من المواقف المضيئة في سِيَر العظماء، تذكرنا أن الكبار لا يُقاسون بقدرتهم على دحض الحجة بالحجة، بل بقدرتهم على الحفاظ على هدوئهم حين تهبّ عواصف السفه من حولهم.

إن الروح الناضجة تختار معاركها بعناية. هي لا تتعالى على الآخرين، لكنها تدرك أن الصمت في كثير من الأحيان أقوى من أي حجة. فالحكمة لا تعني كثرة الكلام، بل في معرفة متى نتكلم ومتى نصمت، ومتى ننسحب حفاظاً على ما هو أسمى من الانتصار الظاهري: الطمأنينة.

في زمن التواصل الفوري، حيث يمكن لأي شخص أن يُلقي بكلماته، دون وعي أو مسؤولية، يصبح امتلاك "فلتر روحي" ضرورة. "فلتر" نقيّم من خلاله الجدالات: هل تستحق وقتي، هل تُثمر، أم أنها مجرد طاقة مهدورة تقودني في النهاية إلى أن أصفع نفسي، لا البعوضة؟

في نهاية المطاف، لا تُقاس الحكمة بكثرة الانتصارات في النقاشات، بل بقدرتنا على أن نسمو فوقها حين تكون فارغة. فلنُخضع ألسنتنا لأرواحنا، لا لأهوائنا، ولنتذكر دائماً: "ليست كل بعوضة تستحق الصفعة"، خصوصاً إن كانت على خدك.

فمجادلة من لا يريد أن يفهم ليست بحثاً عن الحقيقة، بل استنزافٌ للعقل وهدْرٌ للسكينة.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار