السبت 13 يونيو 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
مرة أخرى مع شؤون الأوقاف... بين الأمانة والاستدامة
play icon
كل الآراء

مرة أخرى مع شؤون الأوقاف... بين الأمانة والاستدامة

Time
الأربعاء 10 يونيو 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

تزامن نشر مقالتي الأخيرة بعنوان "شؤون الأوقاف... مجلس واحد وطن واحد"، مع الإعلان عن قضية أثارت اهتمام الرأي العام، بعدما كشفت النيابة العامة البحرينية عن إحالة أحد العاملين في إدارة الأوقاف الجعفرية إلى المحاكم الجنائية بتهم تتعلق باختلاس المال العام، والتزوير، وغسل الأموال.

وبطبيعة الحال، فإن القضية أصبحت في عهدة القضاء البحريني الذي نثق بنزاهته وعدالته، ولا يجوز استباق أحكامه، أو الخوض في تفاصيلها. إلا أن حجم التفاعل الذي تلقيته عقب نشر المقالة السابقة دفعني إلى التوقف عند قضية أوسع، وأهم من الواقعة ذاتها، وهي قضية إدارة الأوقاف وآليات الرقابة عليها، وضمان حسن استثمار مواردها.

لقد لفت عدد من المهتمين بالشأن الوقفي انتباهي إلى أن الحديث عن توحيد إدارة الأوقاف لا ينبغي أن يقتصر على البعد الوطني والتنظيمي المهم، بل يجب أن يمتد إلى الجوانب الإدارية والمالية والرقابية التي تمثل أساس نجاح أي مؤسسة وقفية، في أداء رسالتها، الدينية والاجتماعية، والإنسانية.

فالوقف ليس مجرد عقارات أو أموال، بل أمانة أودعها الواقفون في ذمة المجتمع لخدمة أغراض الخير والعبادة، والتعليم والتكافل الاجتماعي. ومن هنا فإن أي خلل في إدارته لا يمثل خسارة مالية فقط، بل يمس الثقة العامة في واحدة من أعرق المؤسسات التي عرفتها الحضارة الإسلامية.

كما أن التحدي الذي تواجهه المؤسسة الوقفية اليوم لا يقتصر على حماية الموارد من أي تجاوزات محتملة، بل يمتد إلى كيفية تحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات، في ظل تزايد الأعباء التشغيلية، ومتطلبات الصيانة، والإدارة. فالمساجد والحسينيات والمرافق الدينية والخدمية التابعة للأوقاف تحتاج إلى إنفاق مستمر ومتزايد، بينما تظل الموارد المتاحة بحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة وقدرة على الاستثمار والتنمية.

ويعتقد كثيرون أن الأوقاف تمتلك من الأصول والإمكانات ما يكفي لتغطية هذه الالتزامات وأكثر، إلا أن ذلك يبقى مرهوناً بوجود إدارة مهنية، ونظم رقابة فعالة، وسياسات استثمارية حديثة تحقق أفضل عائد ممكن على الأموال والأصول الموقوفة.

ومن هنا تبرز أهمية المرحلة الجديدة التي تبدأ مع إنشاء المجلس الموحد لشؤون الأوقاف الإسلامية. فهذه الخطوة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل باعتبارها فرصة لتطوير منظومة الحوكمة الوقفية بأكملها، عبر تعزيز الشفافية، وتشديد الرقابة والتدقيق، وتوحيد المعايير المالية والإدارية، والتصدي بحزم لأي مظهر من مظاهر الفساد أو الهدر.

غير أن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق، يتعلق بثقافة الوقف ذاتها. فكثير من أهل الخير يبادرون إلى بناء مساجد، أو حسينيات، أو مرافق دينية واجتماعية كبيرة ومتميزة، ثم تُسلَّم إلى الجهات المختصة لتتولى إدارتها وصيانتها. وهي مبادرات مباركة تستحق التقدير والثناء.

إلا أن التجربة أثبتت أن تكلفة التشغيل والصيانة والإدارة على مدى السنوات، قد تتجاوز في بعض الأحيان تكلفة البناء الأصلية نفسها. ولذلك فإن من الحكمة أن تقترن هذه المشروعات الوقفية منذ البداية بأصول أو استثمارات مدرة للدخل تضمن استدامتها وتوفر الموارد اللازمة لإدارتها، وصيانتها مستقبلاً. فالوقف في جوهره ليس بناءً فقط، بل منظومة متكاملة من الإدارة والاستثمار والاستدامة والمسؤولية. وإذا كان بناء المرافق الوقفية عملاً جليلاً يؤجر عليه صاحبه، فإن ضمان استمرار عطائها وخدماتها لعقود طويلة، يمثل وجهاً آخر من وجوه البر، لا يقل أهمية عنه. ولعل أهم ما نأمله من المرحلة الجديدة هو بناء منظومة وقفية أكثر كفاءة وشفافية واستدامة، تحفظ أموال الواقفين، وتحقق مقاصدهم، وتعزز ثقة المجتمع بهذه المؤسسة العريقة التي ظلت على امتداد التاريخ أحد أهم روافد الخير والتنمية.

وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار