من الجلي أن ما يواجه منطقة الخليج العربي، في المرحلة الحالية، بات أكبر من تحديات أمنية، وتطورات خطيرة تفرض نفسها على الساحة الإقليمية، حيث تتعرض الدول لعدوان واعتداءات تهدد سيادتها، واستقرارها، وسلامة أراضيها.
وفي قلب هذه المنطقة تقع الكويت، التي تمتلك موقعاً ستراتيجياً هاماً وتاريخاً طويلاً من الحياد والديبلوماسية، وهي اليوم بحاجة ماسة إلى خطوات مدروسة، وعملية، لحماية أمنها القومي، وضمان عدم تكرار أي اعتداءات قد تمس أمنها، أو أمن أشقائها في دول "مجلس التعاون" الخليجي.
إن الحل الجذري والضامن لهذا الأمن، لا يمكن أن يكون منفرداً، بل يكمن في بلورة موقف خليجي موحد، وبناء سور أمني حقيقي، ومتين، يجمع دول المنطقة تحت مظلة حماية واحدة، ومصير مشترك.
أول ما يجب أن تفعله الكويت هو تعزيز ركائز أمنها الداخلي، وتطوير قدراتها، الدفاعية والاستخباراتية، ليكون لديها من القوة والجاهزية ما يردع أي معتدٍ، ويجعل من أي محاولة للمساس بأمنها خسارة كبيرة ومستحيلة.
ويأتي هذا التطوير كخطوة أساسية، لتكون الكويت شريكاً فاعلاً وقوياً في أي تحالف أمني، وقادرة على المساهمة الفعالة في حماية المنظومة الخليجية ككل، فالأمن الداخلي القوي هو الأساس الذي تنطلق منه أي سياسة خارجية ناجحة، والضمانة الأولى لثقة المواطنين والشركاء الإقليميين.
إلا أن هذه الخطوة وحدها لا تكفي، فطبيعة التهديدات الحالية تتجاوز الحدود الوطنية، وتستهدف أمن المنطقة بأكملها، مما يجعل التكامل والوحدة الخليجية ضرورة حتمية وليست خياراً. هنا يأتي الدور المحوري للكويت في العمل الجاد والدؤوب مع أشقائها، لبلورة موقف خليجي موحد وواضح، يقوم على رفض أي عدوان، واتخاذ موقف صلب وموحد تجاه إيران التي تنتهك حسن الجوار والمواثيق الدولية عبر "مسيرات وصورايخ غادرة" مست أمن دول المجلس.
إن وحدة الكلمة والهدف هي أقوى سلاح تملكه المنطقة، وعندما تتحدث دول الخليج بصوت واحد، فإنها ترسل رسالة قوية للعالم أجمع بأن هذه المنطقة خط أحمر، وأن المساس بدولة واحدة هو مساس بالجميع، وبالتالي لن يجرؤ أي طرف على التفكير في تكرار الاعتداءات، لأنه سيدرك أنه يواجه كتلة واحدة قوية ومترابطة.
كما يجب العمل على بناء "سور أمني حقيقي" ذي أبعاد متعددة، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واستخباراتياً، بحيث يغطي كل جوانب الحماية. عسكرياً من خلال تطوير القدرات المشتركة، وتوحيد خطط الدفاع، وإنشاء قوات رد سريع قادرة على التدخل لحماية أي دولة تتعرض لخطر.
واستخباراتياً عبر تبادل المعلومات والخبرات بشكل فوري ومستمر، لكشف أي مخططات عدوانية قبل تنفيذها. وسياسياً عبر التنسيق الكامل في المواقف الدولية، وشرح قضية أمن الخليج للعالم، وبيان أن أمن هذه المنطقة هو أمن عالمي يهم استقرار الاقتصاد والطاقة في العالم أجمع.
أما اقتصادياً، فيكون من خلال بناء شبكة مصالح مشتركة تجعل أي ضرر يلحق بدولة خليجية يلحق بالجميع، مما يرفع كلفة العدوان، ويجعل منه خسارة لا يمكن تحملها.
إن عدم تكرار هذه الاعتداءات لن يتحقق إلا إذا شعر المعتدي مسبقاً بأن ثمن العدوان باهظ جداً، وأن الخليج ككتلة واحدة قادرة على الرد والحماية والدفاع. والكويت، بما تمتلكه من علاقات طيبة ومكانة مرموقة، قادرة على تادية دور الريادة والوساطة، والتنسيق للوصول إلى هذه الوحدة المنشودة. فالتاريخ أثبت أن الخليجيين حين توحدوا، لم يستطع أحد أن ينال منهم، وحينما تكاملت جهودهم، تحقق لهم الأمن والاستقرار والازدهار.
في الختام، فإن أمن الكويت هو جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، وأمن الخليج هو ضمانة لأمن الكويت. والمستقبل الآمن يتطلب من الكويت ودول المجلس العمل جنباً إلى جنب، لتحقيق أعلى درجات التنسيق والاتحاد، وبناء هذا السور الأمني المتين الذي يحمي الماضي والحاضر والمستقبل، ويمنع أي عدوان، ويجعل من المنطقة نموذجاً للاستقرار والقوة في وجه كل التحديات.
هذا هو الطريق الصحيح والوحيد لضمان أن تبقى الكويت، وتبقى دول الخليج، في أمان ومنعة، وأن تظل راية الأمن والسلام ترفرف في سمائها.
كاتب كويتي