لم تعد الخصوصية الرقمية مسألة تقنية، أو إجرائية فقط، بل أصبحت إحدى القضايا القانونية، الأكثر ارتباطا بالحقوق والحريات في الدولة الحديثة.
فالتطور الرقمي المتسارع لم يغيّر فقط وسائل التواصل والتعامل، إنما أعاد تشكيل العلاقة بين الفرد وبياناته الشخصية، حتى غدت هذه البيانات امتداداً لشخصية الإنسان القانونية، لا مجرد معلومات تتعلق به أو بوسائل استخدامه للتكنولوجيا.
ومن هذا المنطلق، لم يعد كافياً النظر إلى الخصوصية باعتبارها حقاً في منع التدخل في الحياة الخاصة، بل أصبح جوهر الحماية القانونية، يتمثل في تمكين الفرد من السيطرة على بياناته الشخصية، ومعرفة كيفية جمعها واستخدامها، والإفصاح عنها. وقد انعكس هذا التحول على الفكر القانوني المعاصر، الذي انتقل من مفهوم الحماية السلبية القائمة على منع الاعتداء، إلى مفهوم الحماية الإيجابية القائمة على تمكين الفرد من إدارة بياناته والتحكم بها.
وفي الكويت، لا يمكن إنكار الجهود التنظيمية التي اضطلعت بها الجهات المختصة، وفي مقدمها الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات، من خلال إصدار اللوائح والقواعد، المتعلقة بسرية المعلومات وأمن البيانات، وحقوق المستخدمين.
كما تتضمن المنظومة القانونية القائمة أحكاماً متفرقة ذات صلة بحماية الخصوصية الرقمية، في عدد من التشريعات، من بينها قانون المعاملات الإلكترونية، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وغيرها من القوانين المرتبطة بالبيئة الرقمية.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل متفرقة بطبيعتها، ولا ترقى إلى مستوى إطار تشريعي متكامل لحماية البيانات الشخصية.
فالإشكالية الرئيسة لا تتمثل في غياب التنظيم، إنما في غياب رؤية تشريعية موحدة، تحدد بصورة واضحة حقوق الأفراد، والتزامات الجهات التي تجمع البيانات، أو تعالجها، وتؤسس لمنظومة قانونية متماسكة قادرة على مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
ويظهر هذا القصور بصورة أوضح عند النظر إلى مركز الفرد في البيئة الرقمية. فالتشريعات الحديثة لم تعد تكتفي بحماية الخصوصية من الاعتداء المباشر، إنما تمنح الأفراد مجموعة من الحقوق المرتبطة ببياناتهم الشخصية، مثل الحق في الوصول إلى البيانات وتصحيحها ومحوها، والاعتراض على بعض أوجه معالجتها.
وتُعد هذه الحقوق اليوم من أهم مظاهر الحماية القانونية الحديثة، لأنها تجعل الفرد شريكاً في إدارة بياناته، لا مجرد محل للحماية القانونية.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير آليات الرقابة والإنفاذ في هذا المجال. فحماية البيانات الشخصية لم تعد مسألة تقنية بحتة، بل أصبحت قضية قانونية واقتصادية، تمس الأفراد والمؤسسات، على حد سواء، الأمر الذي يقتضي وجود إطار قانوني أكثر وضوحاً وفاعلية في مواجهة التحديات التي تفرضها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والخدمات الرقمية، والاقتصاد القائم على البيانات.
وعند النظر إلى التجارب المقارنة، يتضح أن الاتجاه التشريعي المعاصر يسير نحو سن قوانين مستقلة، ومتكاملة، لحماية البيانات الشخصية.
فقد رسخ الاتحاد الأوروبي نموذجاً متقدماً يقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة، وتمكين الأفراد من السيطرة على بياناتهم. كما شهدت دول خليجية عدة تطورات تشريعية لافتة في هذا المجال؛ إذ اعتمدت المملكة العربية السعودية نظاماً متكاملاً لحماية البيانات الشخصية، وأقرت دولة الإمارات العربية المتحدة إطاراً قانونياً حديثاً مستلهماً من أفضل الممارسات الدولية، في حين اتجهت دولة قطر إلى تنظيم هذا المجال بقانون خاص.
وتكشف هذه التجارب أن حماية البيانات الشخصية أصبحت جزءاً من البنية التشريعية الضرورية، لدعم الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الثقة في الخدمات الإلكترونية.
ومن ثم، فإن تطوير الحماية القانونية للخصوصية الرقمية في الكويت، لا يقتصر على تحديث اللوائح القائمة، بل يقتضي الانتقال إلى مرحلة تشريعية أكثر نضجاً من خلال إصدار قانون شامل لحماية البيانات الشخصية، يحدد بصورة واضحة حقوق الأفراد، والتزامات الجهات المعالجة للبيانات، وآليات الرقابة والإنفاذ والجزاءات القانونية المترتبة على مخالفة أحكامه.
إن بناء اقتصاد رقمي قائم على الثقة لا يتحقق بالتطور التقني وحده، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة قانونية واضحة ومستقرة توفر الحماية اللازمة للبيانات الشخصية وتحقق التوازن بين متطلبات الابتكار الرقمي وضمان الحقوق والحريات.
ومن هنا، فإن إصدار قانون شامل لحماية البيانات الشخصية، لم يعد مجرد خيار تشريعي، بل أصبح ضرورة قانونية تفرضها طبيعة التحول الرقمي ذاته، وتنسجم مع الاتجاهات التشريعية الإقليمية والدولية المعاصرة، بما يعزز الثقة في البيئة الرقمية الكويتية، ويواكب متطلبات المستقبل.
استاذ القانون والتحولات الرقمية في جامعة الكويت