لم تعد التطورات الاقتصادية العالمية أخباراً بعيدة، تُقرأ في صفحات المال والأعمال، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمواطن والمقيم في الكويت.فقرار يتخذ في بنك مركزي عالمي، أو اضطراب في ممر بحري، أو تقلب في أسعار الطاقة، ينعكس سريعاً على الأسعار، والوظائف، والإنفاق العام. وهذا يعني أن الكويت لم تعد تملك ترف التعامل مع الاقتصاد العالمي، بوصفه شأناً خارجياً، بل بوصفه عاملاً مباشراً في أمنها الاقتصادي والاجتماعي.
تملك الكويت ميزة لا يمكن إنكارها، وهي الثروة النفطية والاحتياطيات المالية والخبرة الطويلة في إدارة الفوائض. لكن الاعتماد المفرط على النفط يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتقلبات الأسعار، ويفتح مع كل هبوط سوقي سؤال الاستدامة: كيف نحافظ على مكتسباتنا إذا تراجعت الإيرادات؟
ومن هنا، فإن التأثير الأول للتطورات العالمية يظهر في الميزانية العامة؛ والمطلوب اليوم ليس مجرد الاستفادة من فترات الرواج، بل تحويلها إلى فرصة لإصلاح بنية الاقتصاد، لا إلى موسم إنفاق موقت ينتهي بانخفاض الأسعار. أما التأثير الثاني فيتكشف في تكلفة المعيشة. فبسبب استيراد جانب كبير من الاحتياجات، لا يبقى التضخم العالمي خارج الحدود. وهنا لا يكفي التدخل الموقت لضبط الأسعار، بل يجب بناء سياسة أمن غذائي وجمركي أكثر جدية، تقوم على تنويع مصادر الاستيراد وحماية المنافسة.
يرتبط البُعد الثالث بسوق العمل والاستثمار؛ ففي عالم يتسارع فيه التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، لن تكون المنافسة بين الدول على الموارد التقليدية، بل على البيئة التشريعية، وسهولة الأعمال، وسرعة اتخاذ القرار.
وإذا بقيت البيروقراطية عائقاً، ستخسر الكويت فرصاً استثمارية مهمة لصالح وجهات أكثر مرونة ووضوحاً. يتقاطع ذلك مع التحول العالمي في ملف الطاقة نحو خفض الانبعاثات؛ وهو تحول يجب أن يُقرأ كإنذار مبكر وفرصة لتطوير صناعات مضافة حول النفط، والبتروكيماويات، بدلاً من الاكتفاء بتصدير الخام.
إن مواجهة هذه الاستحقاقات تتطلب خطة عملية تقوم على أربعة مسارات:
• تنويع مصادر الدخل.
• إصلاح الإدارة الحكومية وتسريع القرار.
• تمكين القطاع الخاص المنتج.
• الاستثمار الحقيقي في الإنسان الكويتي تعليماً وتدريباً.
الكويت لا تبدأ من الصفر؛ لديها المال، والموقع، والاستقرار. لكنها تحتاج إلى الانتقال من عقلية "ردّ الفعل" إلى عقلية "صناعة المناعة". فالسؤال الحقيقي ليس كيف ستؤثر التطورات العالمية علينا، بل هل سنتعامل معها كأزمة عابرة، أم كفرصة لإعادة بناء نموذجنا الاقتصادي؟
الإجابة هي التي ستحدد مكانة الكويت في العقد المقبل.
كاتب كويتي