إنه رأي شائع يعتبر الشخصية سمة ثابتة، ويتوقع من الناس التصرف بالطريقة نفسها في كل بيئة.
على سبيل المثال، إذا لاحظت أن شخصاً يتصرف بطريقة في العمل، وطريقة أخرى في المنزل، أو إذا كان أكثر جرأة بين الأصدقاء منه بين الغرباء، يمكنك على الفور وصفه أنه متصنع وتدعي أنه غير حقيقي.
لكن هذا الرأي قديم، ويعتمد على فهم أكثر دقة وواقعية لعلم نفس الشخصية، فكرة أن الشخصية هي قالب يقيد الناس في التصرف بطريقة واحدة فقط هي تبسيط مفرط، بل هي مزيج من السمات التي ستظهر بدرجات متفاوتة، اعتماداً على البيئة، أو السياق، والأشخاص الذين حولنا.
هذا يعني أنه يمكنك أن تكون واثقاً وحازماً في مكان العمل، ولا تزال هادئاً ومتحفظاً في عزيمة. هذا لا يعني وجود تنافر في شخصيتك؛ بل إن سمات مختلفة هي التي تؤدي دوراً في ذلك الوقت المحدد.
بعبارة أخرى، يميز علماء النفس بين مفهوم "سمات الشخصية" و"حالات الشخصية"، ففي الاولى يشير إلى الخصائص العامة النموذجية للفرد التي تستمر بمرور الوقت، ويشير الأخير إلى الطريقة التي يتم بها التعبير عن تلك الخصائص نفسها، في موقف معين.
قد تكون اجتماعياً في معظم الأوقات، لكن إذا كنت في مكان جديد ولا تعرف فيه أحداً، فقد ترغب في البقاء هادئاً. قد تكون هادئاً ومتماسكاً في معظم الأوقات، لكنك تقف بحزم عند اتخاذ قرار حاسم.
هذه ليست علامة على عدم اتساق الشخصية، بل هي علامة على القدرة على التكيف. يعتقد الكثير من الناس أن كونك "حقيقياً" يعني التصرف باستمرار مع الجميع، وفي جميع المواقف والسياقات، لكن يبدو أن الأبحاث تشير إلى أن القدرة على التغيير والتكيف مع المواقف المختلفة، يمكن اعتبارها مؤشراً على الشخصية والوعي الاجتماعي وليس، كما يعتقد البعض، على عدم الأمانة والتصنع.
هناك طرق مختلفة قد يتواصل بها رئيس جيد مع أعضاء فريقه، تختلف عن طريقة تواصله مع أطفاله، أو مع شخص غريب، ويتوقع من الأستاذ أن يكون لديه سلوك مختلف في الفصل الدراسي عنه في وجود زملائه، وقد تختلف طريقة تفاعل الطبيب مع المرضى عن الطريقة التي يتعامل بها مع الأشخاص في حياته اليومية.
لا يغير أي من هؤلاء الأشخاص شخصيتهم الأساسية؛ فكلهم لديهم معتقدات وقيم، ومبادئ متشابهة؛ إنهم ببساطة يظهرون جانباً مختلفاً من أنفسهم وفق الحاجة، وكل منهم لا يزال "من هو". المشكلة هي أننا غالباً ما نرى الشخص نفسه في سياق واحد ونحكم عليه أنه هو"الحقيقي"، أو نفترض أنه إذا تصرف بشكل مختلف في سياق جديد فلديه شخصية متناقضة، أو الأسوأ من ذلك، أنه متصنع.
نحن معقدون للغاية، كأفراد، لدرجة أن نختزل أنفسنا ببساطة في تسمية واحدة، أو صورة نمطية. ربما لا ينبغي أن يكون السؤال: هل من الممكن أن يكون الشخص نفسه في كل مكان، بل هل سألتزم دائما بقيمي ومبادئي بغض النظر عن السياق؟
شخصيتنا ليست قناعاً جامداً نرتديه أو ثابتاً، بل هي بنية أكثر ديناميكية تتفاعل فيها شخصياتنا مع الحياة نفسها.
حقيقة أننا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بإظهار جانب مختلف من شخصياتنا في مواقف مختلفة ليست علامة على عدم الثبات، بل علامة على المرونة والقدرة على التكيف في التعامل مع عالم متغير.
مدرب حياة معتمد واستشاري علم الشخصيات
والعلاقات العامة