لطالما قُدّمت حادثة "يو إس إس ليبرتي" في الرواية الرسمية باعتبارها خطأً غير مقصود ارتكبته إسرائيل خلال حرب 1967.
لكن بعد نحو ستين عاماً من الحادثة، أعاد عضو الكونغرس الأميركي توماس ماسي فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقة الأميركية- الإسرائيلية.
أهمية ما قاله لا تكمن في أن القضية جديدة، بل في أن ما كان يُحكى لعقود، على هامش النقاش العام، عاد هذه المرة من داخل الكونغرس الأميركي نفسه.
ماسي استقبل 12 من الناجين من الهجوم، ثم وقف تحت قبة مجلس النواب ليعيد سرد روايتهم. ووفقاً لما عرضه، لم تكن السفينة الأميركية هدفاً ضبابياً في ظروف قتال معقدة، بل سفينة كانت تبحر تحت سماء صافية.
وقال إن طائرات "ميراج" إسرائيلية هاجمتها لمدة 25 دقيقة مستخدمة الصواريخ، ومدافع 30 ملم، والـ"نابالم"، قبل أن تنضم زوارق طوربيد إسرائيلية إلى الهجوم، وتطلق طوربيدات أصاب أحدها السفينة إصابة مباشرة.
هنا يبرز السؤال الذي جعل القضية حية حتى اليوم. فالرواية الإسرائيلية الرسمية تقول إن الهجوم كان نتيجة خطأ في تحديد الهوية. لكن ماسي أشار إلى شهادات تتحدث عن استهداف قوارب النجاة، ورجال الإطفاء فوق سطح السفينة.
بالنسبة للناجين الذين التقاهم، يصعب التوفيق بين هجوم متعدد المراحل استمر لفترة طويلة، وبين فرضية الخطأ العابر في التعرف على الهدف.
ولتعزيز روايته، ذكّر بمواقف مسؤولين أميركيين كبار عاصروا الحادثة من داخل الدولة نفسها؛ بينهم دين راسك، وزير الخارجية الأميركي بين عامي 1961 و1969، وريتشارد هيلمز، مدير وكالة الاستخبارات المركزية بين عامي 1966 و1973. أي أن الرجلين كانا في موقعيهما الرسميين يوم وقع الهجوم عام 1967، ولم يتعاملا لاحقاً مع ما جرى باعتباره مجرد خطأ عابر، في تحديد الهوية.
كما أشار إلى بوبي راي إنمان، الذي تولى لاحقاً رئاسة وكالة الأمن القومي بين عامي 1977 و1981، قبل أن يصبح نائباً لمدير الاستخبارات المركزية. ورغم أنه لم يكن على رأس الوكالة وقت الحادثة، فإن أهمية موقفه تأتي من موقعه اللاحق داخل المؤسسة الاستخباراتية الأميركية واطلاعه على تقديرات مسؤوليها.
قد لا يغير هذا الكلام الرواية الرسمية غداً، لكنه يعكس تحولاً مهماً داخل الولايات المتحدة نفسها. فبعض الملفات التي كانت تُعتبر شديدة الحساسية باتت قابلة للنقاش العلني أكثر من السابق، حتى عندما تتعلق بإسرائيل.
والقصة هنا أكبر من سفينة تعرضت للهجوم عام 1967. فالولايات المتحدة ليست انتخابات وصناديق اقتراع فقط، بل منظومة واسعة من المؤسسات والإعلام، ومراكز الأبحاث، واللوبيات والمصالح الاقتصادية والسياسية.
وفي مثل هذه البيئات، لا تحتاج الروايات السائدة دائماً إلى مؤامرة حتى تستمر؛ يكفي أن تتقاطع حولها مصالح نافذة تجعل التشكيك فيها مكلفاً لسنوات طويلة.
ولهذا ربما يكون الدرس الأهم من قضية "ليبرتي" أن الحقيقة لا تنتصر دائماً بسرعة. كثير من الأسئلة تُدفع في البداية إلى خانة الأوهام أو نظريات المؤامرة، ثم تأتي السنوات لتثبت أن بعضها كان يستحق البحث الجاد لا السخرية.
والتاريخ، في النهاية، لا يكتبه فقط من يملكون السلطة، بل أيضاً من يواصلون طرح الأسئلة عندما يتوقف كثيرون عن السؤال.