لا يمكن عزل السلوك الإيراني المتكرر تجاه الكويت عن سياق أوسع؛ يتجاوز المناوشات الموضعية ليلامس البنية الهيكلية للستراتيجية الإيرانية في الإقليم.
إن التدقيق في طبيعة الضغوط والتصريحات الإيرانية الأخيرة، وتحديداً ما يتصل بملف حقل "الدرة"، والتلويح بفرض وقائع أحادية في المنطقة المغمورة، يكشف عن محاولة دائمة لجس النبض، واختبار حدود الصلابة لدى الجار الأصغر حجماً، لكن الأكثر حيوية في التوازنات الدقيقة لشمال الخليج.
والمسألة هنا لا تتعلق بـ"تأخر" أو "انكفاء" في السياسة الكويتية الحالية، بقدر ما تتعلق بتحول جوهري في طبيعة المقاربة الكويتية نفسها؛ فهي اليوم، وتبدو أقل ميلاً للاستيعاب الديبلوماسي التقليدي الذي طالما ميز سياستها الخارجية، وأكثر تمسكاً بالخطوط القانونية والسيادية الصارمة التي لا تقبل التأويل.
هذا التحول الداخلي، الذي يتجلى بوضوح في المقاربة الحكومية الشاملة لتنقية الهوية الوطنية، ومحاربة التجنيس غير القانوني، وسحب الجنسيات الممنوحة بطرق غير مشروعة، يمثل في جوهره إعادة بناء لمفهوم "الدولة المحصنة". فالسياسة، كما يعلمنا التاريخ، لا تنفصل فيها الشؤون الداخلية عن الخارجية؛ وإصرار الكويت على إغلاق الثغرات الداخلية التي قد تُستغل تاريخياً كأوراق ضغط، أو اختراق ناعم، يبعث برسالة حازمة إلى الجوار الإقليمي، مفادها أن زمن المناورات الرمادية قد انتهى.
وإيران، التي تجيد دائماً القراءة في دفاتر التناقضات المحلية للدول، تجد نفسها اليوم أمام نموذج كويتي يحاول تجفيف أي مساحة للمساومة، أو الابتزاز السياسي، مما يدفع طهران إلى نقل الاحتكاك من الأروقة السياسية إلى الميدانين الاقتصادي والبحري، لفرض واقع تفاوضي جديد.
من هنا، يصبح من التبسيط المخل اختزال الأطماع الإيرانية في حدود الجغرافيا العراقية؛ فالعراق، بالنسبة للمشروع الإقليمي الإيراني، لم يكن يوماً محطة نهائية، بل كان دائماً منصة وثوب، وجسر عبور نحو الضفة الأخرى للخليج والجزيرة العربية. والكويت، بموقعها الجيوسياسي الفريد، تمثل النقطة الأكثر حساسية في معادلة التوازن بين الكتل الكبرى في المنطقة، والخاصرة الرخوة التي تسعى طهران دوماً لإبقائها تحت وطأة القلق المستمر.
إن تكرار التحرشات السياسية والإعلامية الإيرانية، يعكس رغبة طهران في عدم السماح بنشوء جبهة خليجية متماسكة ومستقرة تماماً على حدودها البحرية؛ فالكويت، بتنسيقها الكامل والثابت مع المملكة العربية السعودية في ملف الحقول المشتركة، تقف عائقاً أمام الرؤية الإيرانية التي تفضل دائماً صيغ التفاوض الثنائي المنفرد، حيث يسهل الاستقواء بفائض القوة لفرض الشروط.
العودة إلى جذور العلاقة تكشف أن الرابط بين الكويت وإيران محكوم دائماً بثنائية الجوار الحتمي، والشك المتبادل؛ فطهران الملكية السابقة، ومن بعدها طهران الثورة، لم تتخليا يوماً عن النظرة التي ترى في الخليج مجالاً حيوياً طبيعياً لنفوذها الإمبراطوري.
وفي المقابل، طوّرت الكويت عبر العقود ديبلوماسية مرنة، تقوم على التوازن وتجنب المحاور، مستندة إلى شبكة أمان دولية وعربية عريضة، لكن هذه المرونة التاريخية لم تكن تعني يوماً التفريط في الثروات أو السيادة؛ وعندما تجد طهران أن هذه المرونة قد تحولت اليوم إلى صلابة مؤسسية، مدعومة بإعادة ضبط البيت السيادي من الداخل وتنسيق ستراتيجي وثيق مع الرياض، فإنها تلجأ إلى أسلوبها المعهود في التصعيد الخشن لإعادة خلط الأوراق، واختبار مدى قدرة النفس الكويتي على الصمود والتحدي.
إن الأصل في هذا التوتر المستمر هو صراع إرادات بين منطقين لا يلتقيان؛ منطق الدولة السيادية القائمة على القانون والاتفاقيات الدولية الموثقة، وهو ما تمثله الكويت، وسياستها الصارمة حالياً، ومنطق "الثورة" الذي يرى في الحدود مجرد خطوط مرنة قابلة لإعادة الترسيم، بفرض الأمر الواقع، وموازين القوى على الأرض.
المستند القانوني والتاريخي للكويت يظل قوياً وثابتاً، ومدعوماً بالإجماع الخليجي والدولي، إلا أن ما يزعج طهران حقاً ليس الأوراق القانونية المودعة في أدراج الأمم المتحدة، بل هذا النبض الجديد في السياسة الكويتية؛ النبض الذي يرفض تقديم التنازلات تحت وطأة التهديد، ويصر على أن حماية الأمن القومي، تبدأ من ضبط الهوية وحماية النسيج الوطني في الداخل، وتنتهي عند عدم التنازل عن قطرة غاز واحدة في عرض البحر.
كاتب يمني