إن تحديد حدود ولاية القضاء الخاص، المتمثل في التحكيم بمواجهة القضاء العام للدولة، يُعد من أدق المسائل التي تشغل فقه القانون التجاري والتحكيمي.
إذ يظل التساؤل: هل يملك المحكّم سلطة مطلقة وفصلاً نهائياً في تحديد مصير اختصاصه، أم أن رقابة القضاء الوطني تظل السيف المصلت الذي ينزع عن قراراته صفة الإلزامية المطلقة؟
هذا الجدل ليس مجرد ترف فقهي، بل هو صراع وبنيوي يمس جوهر سيادة الدولة على مرفق العدالة من جهة، وحرية الإرادة التعاقدية، واستقلال شرط التحكيم من جهة أخرى، وهو ما يتبدى بوضوح في بيئة القضاء الكويتي، الذي يوازن بحذر بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على النظام العام.
في الجانب النظري، ينظر إلى مبدأ الاختصاص باعتباره الحجر الزاوية الذي يمنع شلل العملية التحكيمية، إذ يمنح هيئة التحكيم صلاحية أولية للفصل في الدفوع الموجهة إلى اختصاصها، أو إلى وجود اتفاق التحكيم وصحته، دون الحاجة لوقف إجراءاتها بانتظار كلمة القضاء.
بيد أن هذا المبدأ ينشطر في التطبيق القضائي العملي إلى أثرين؛ أثر إيجابي يتيح للمحكمين المضي في الدعوى، وإصدار القرار، وأثر سلبي يفرض على المحاكم الوطنية إرجاء فحص الاختصاص حتى تصدر الهيئة حكمها الفاصل.
وعند إسقاط هذا الجدل على الواقع، التشريعي والقضائي، في الكويت، نجد أن محكمة التمييز قد تبنت موقفاً صارماً يحدمن إطلاقية هذا المبدأ؛ فوفقاً لنصوص قانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي، يعتبر الدفع بوجود شرط التحكيم دفعاً بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الاتفاق على التحكيم، وهو دفع يتعلق باختصاص نوعي من طبيعة خاصة.
ورغم أن القضاء الكويتي يمنح الهيئة التحكيمية فرصة مواتية لبحث اختصاصها ابتداء، إلا أنه في التطبيق القضائي العملي لا يعتد بقرار الهيئة كقرار ملزم ومحصن؛ إذ يحق للخصوم الطعن في الحكم التحكيمي النهائي، عبر دعوى بطلان حكم المحكمين، إذا ثبت بطلان اتفاق التحكيم أو سقوطه، لتسترد المحكمة الكويتية ولايتها الكاملة في بسط رقابتها، وتجريد قرار المحكم من أي أثر قانوني، إن هو تجاوز حدود ولايته.
الإجابة عن مدى إلزامية قرار محكمة التحكيم بشأن اختصاصها ليست حاسمة، بل هي منطقة رمادية تتأرجح بين الفعالية التي تتطلبها التجارة الدولية، والسيادة التي يفرضها النظام القضائي الوطني.
وإذا كان الفقه المعاصر يدفع باتجاه منح المحكمين سلطة أوسع لتعزيز بيئة الاستثمار، ان الخط الفاصل بين سلطة المحكم وسيادة القاضي الوطني شائكاً، مبينا أن العدالة التحكيمية لا يمكن أن تنفصل بحال من الأحوال عن مظلة القضاء الرسمي للدولة.
سعود مطر الزعبي
كلية الدراسات التجارية - تخصص القانون