الخميس 09 يوليو 2026
41°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
بين وهم الكمال وحكمة النقص
play icon
كل الآراء

بين وهم الكمال وحكمة النقص

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 17 يونيو 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايا الروح

في زمنٍ تُعاد فيه صياغة الحقائق بالـ"فلاتر"، وتُقاس فيه القيمة بوهج الصورة، لا بصدق الجوهر، صار الكمال سلعةً رائجة، وصار النقص تهمة.

تُعرض علينا نسخٌ مصقولة من البشر، بلا شقوق ولا ظلال، حتى خُيّل إلينا أن الإنسان خُلق ليكون صورةً لا روحاً، وإنجازاً لا تجربة. وفي خضم ما يعتري الحياة من صخبٍ وتداخلٍ وتشابك، تتوارى الحقيقة الأصدق: لا أحد منا كامل، ولا ينبغي له أن يكون.

الكمال، حين يُقدَّم كغاية، يتحول إلى عبءٍ نفسي لا يُحتمل. فالسعي المحموم إلى صورةٍ متخيَّلة من الكمال لا يمنح الإنسان سكينةً بقدر ما ينتزع منه فطرته وطبيعته البشرية؛ إذ يحرمه حقَّ التعثر، ويُثقل عليه لحظات التردد، ويجعله يخشى النقص وكأنه عيب، مع أن النقص جزءٌ أصيل من رحلة النضج.

وأن أجمل ما في الإنسان أنه يتعلّم من عثراته قبل إنجازاته، وبلوغ غاياته، وفي التعب يُطالَب أن يكون قوياً دائماً، متماسكاً بلا انقطاع، ناجحاً بلا سقوط. وحين يعجز- وهو حتماً سيعجز- يجلد نفسه بدل أن يفهمها، ويخفي ضعفه بدل أن يتصالح معه.

لقد خُلق الإنسان ناقصاً عن حكمة، لا عن عجز. ناقصاً ليجرّب، ليخطئ، ليتعلم، وليكبر. فلو كان كاملاً، لما عرف معنى التواضع، ولا قيمة الاعتذار، ولا عمق الرحمة.

إن تلك الفجوات الصغيرة في أرواحنا - التي نخشاها ونخجل منها- هي ذاتها ما يسمح للنور أن يدخل، وما يجعلنا أقرب إلى بعضنا، وأكثر صدقاً في علاقتنا بذواتنا وبالآخرين.

نحن لا ننكسر لأننا ضعفاء، بل لأننا بشر. نخطئ لأننا نحاول، ونتعثر لأن الطريق ليس ممهداً كما صُوِّر لنا. نخيب أحياناً، ونخيب أنفسنا قبل غيرنا، لكننا في كل مرة ننهض فيها- ولو ببطء- نضيف إلى وعينا طبقةً جديدة من الفهم. النضج لا يُقاس بغياب العيوب، بل بالقدرة على الاعتراف بها دون تبرير، وعلى إصلاحها برفقٍ وحكمة، دون تضييق.

المجتمعات التي تُمجّد المثالية الزائفة، تُنشئ أفراداً مرهقين من الداخل. أشخاصاً يخشون الظهور على حقيقتهم، فيختبئون خلف أقنعة الإنجاز الدائم، ويؤجلون الاعتراف بالإنهاك، ويؤثرون الصمت على التماس السند، او المؤازرة، أما القبول الإنساني للنقص، فيفتح باباً للراحة النفسية، ويمنح الإنسان شجاعة أن يقول: أنا لست بخير اليوم، دون ان يشعر بالذنب او ينتقص من قدر نفسه.

الاعتراف بعدم الكمال ليس استسلاماً، بل تحرر. تحرر من مقارنةٍ لا تنتهي، ومن سباقٍ لا خط نهاية له. هو دعوة إلى الصدق: أن نكون كما نحن، لا كما يُتوقع منا. أن نُحب أنفسنا بعيوبها، لا رغمها فقط. وأن ننظر إلى الآخرين بعين الفهم لا الحكم، وبصيرة التقدير لا عدسة النقد، مدركين أن كل إنسان يحمل داخله معركةً صامتة لا نراها.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة الإنسان بمدى اقترابه من صورةٍ متخيَّلة للكمال، بل بصدق رحلته، وهو يعبر دروب النقص والتعلّم. فالعظمة الحقيقية لا تسكن قمم الإنجاز الخالية من العثرات، بل تولد في كل مرةٍ ينهض فيها المرء بعد انكسار، ويختار أن يواصل السير رغم ما يعتريه من ضعفٍ وتردّد.

إن الإنسان لا يكتمل حين يخفي شروخه، بل حين يتصالح معها، ويدرك أن النقص ليس نقيض الجمال، بل أحد وجوهه الخفية. فكل تجربة مؤلمة، وكل خطأٍ مُتجاوز، وكل لحظة ضعفٍ، تم الاعتراف بها، تضيف إلى الروح عمقًا لا تمنحه لا تبلغه المنجزات وحدها.

وحين نكفّ عن مطاردة الكمال المستحيل، ونقبل ذواتنا بوعيٍ واحتواء، تتحرر أرواحنا من عبء التظاهر، وتهدأ وطأة المقارنة، ونقترب من سلامٍ داخلي لا تصنعه المثالية، بل يصنعه الصدق مع النفس. فليس المطلوب أن نكون بلا نقص، إنما أن نكون أكثر إنسانية، وأكثر وعياً، وقدرةً على النمو في كل مرحلة من مراحل الحياة.

لا أحد منا كامل… ولهذا بالضبط، نحن جميلون.

$ كاتبة كويتية

آخر الأخبار