لفترة طويلة، كان عدم التوفر يُعتبر أمراً طبيعياً تماماً. إذا اتصل شخص ما، ولم يرد أحد، افترضنا أنه ربما كان مشغولاً أو لديه التزامات أخرى. كان التواصل في العمل يتم خلال ساعات العمل؛ في المساء، أو في عطلة نهاية الأسبوع، كان من المتوقع أن نكون في راحة مع الأشخاص الذين نحبهم، ونركز على هواياتنا واهتماماتنا.
لكننا لم نعد نعيش بهذه القواعد، على الأقل في أذهان البعض. قد لا يُتوقع منا دائماً الرد بشكل مباشر، لكننا غالباً ما نشعر أن هذا هو المتوقع.
لا شك أن التكنولوجيا جلبت العديد من الفوائد الإيجابية والقيمة. أصبحت المعلومات والبيانات متاحة حاليا أكثر من أي وقت مضى؛ أصبح التواصل أسرع وأكثر ملاءمة، وأصبح العمل أكثر مرونة. ومع ذلك، لم تأت هذه الفوائد دون ثمن. الكثير من الناس ليسوا على دراية كاملة بها.
أصبحت السلبية هي الحاجة المستمرة لمواكبة كل شيء. من الصعب عدم الشعور أنك بحاجة إلى الاستجابة باستمرار لشيء ما أو لشخص ما، وأنك يجب أن تتابع لتبقى على اطلاع دائم، وأنك يجب أن تكون متاحاً باستمرار بطريقة أو بأخرى.
بمرور الوقت، أثر هذا على حياتنا اليومية. يمكن لإشعار البريد الإلكتروني أن يفسد عشاء عائلياً، عندما تضطر فجأة إلى الرد فوراً، ولا تنتبه بالكامل للأشخاص الجالسين حول الطاولة. في الليل، بينما يكون جسدك مستعداً للنوم، يبدأ عقلك في القلق بشأن رسائل البريد الإلكتروني، أو الرسائل النصية، التي تحتاج إلى التعامل معها والرد عليها، والضغط للقيام بذلك.
هناك أشخاص، بغض النظر عن مكان وجودهم، أو الوقت، أو ما يفعلونه، يستمرون في التفكير فيما سيأتي في الإشعار التالي، ويمكن أن يؤثر ذلك على جودة حياتهم، بطرق متنوعة.
أظهرت العديد من الدراسات بالفعل كيف يؤثر هذا على الصحة العقلية. حقيقة أننا لا نستطيع عزل أنفسنا عن مسؤولياتنا، والتزاماتنا الأخرى يمكن أن تؤدي إلى مستويات أعلى من التوتر. يجب أن يرتاح العقل، ويتعافى تماماً مثل الجسد، وعواقب عدم قدرته على القيام بذلك تتراكم ببطء، ولكن بالتأكيد.
من المهم أيضاً ملاحظة أن الضغط والمطالب بالرد باستمرار لا تأتي دائماً من الآخرين، بل من أنفسنا.
الكثير منا يتحقق من أجهزتنا المحمولة مراراً وتكراراً لمجرد أننا نخشى أن يكون شيء مهم قد فاتنا. يصبح آخرون قلقين لمجرد أننا لم نرد في الدقائق القليلة الأولى، التي تلقينا فيها الرسالة، رغم أنها ليست مسألة ملحة.
تجعل الشبكات الاجتماعية هذا الأمر أكثر حدة، حيث يمكن للكثير من الأشخاص رؤية أننا كنا مسجلين الدخول، وأننا قرأنا بالفعل ما أرسلوه لنا، أو وقت آخر ظهور لنا على الإنترنت. نتيجة لذلك، لا يصبح التواصل مجرد ما يتواصل به المرء، بل أيضاً ما يتوقعه الآخرون منا من حيث التوفر.
في أي حال من الأحوال، لن يكون الحل الصحيح هو التخلي عن التكنولوجيا تماماً، بل استخدامها بوعي أكبر. إيقاف تشغيل الإشعارات غير المهمة؛ قضاء لحظات دون استخدام الهاتف؛ وعدم القلق المفرط بشأن سبب عدم ردنا على رسالة معينة في الوقت المحدد، هذه مجرد طرق قليلة يمكننا من خلالها استعادة السيطرة على وقتنا، وطاقتنا.
في عصر الاتصال المستمر، قد تصبح القدرة على الانفصال من وقت لآخر إحدى مهاراتنا الأساسية للحفاظ على صحتنا العقلية. يجب أن نتذكر أن قيمة العلاقة، أو التفاعل أو المحادثة، تعتمد على مدى تركيزنا وحضورنا فيها، وليس على مدى توفرنا خلال الأشهر أو الأسابيع الماضية. ربما ما يمكننا تقديمه لأنفسنا اليوم هو قليل من السلام والهدوء، بعيدًا عن الضجيج اللامتناهي للتوقعات.
$ مدرب حياة معتمد واستشاري علم الشخصيات والعلاقات العامة