تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي عميقة، بعد الحروب والتوترات الأخيرة، التي ارتبطت بالدور الإيراني الإقليمي، بما انعكس مباشرة على أمن الخليج وممراته الستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ومع دخول المنطقة مرحلة ما بعد الحرب، تتبلور معادلة مزدوجة تقوم على ديبلوماسية حذرة مشروطة من جهة، وسعي خليجي متسارع لكسر الارتهان الجغرافي للمضيق من جهة أخرى.
إذ تتجه العلاقات الخليجية–الإيرانية مستقبلاً إلى ثلاث مسارات رئيسية. الأول: هو التهدئة البراغماتية المشروطة، حيث تستمر قنوات الحوار بين الجانبين لتجنب التصعيد، مع ربط أي تعاون سياسي أو اقتصادي، بتراجع السياسات الإيرانية الإقليمية المثيرة للتوتر في المنطقة.
أما المسار الثاني فهو: العلاقات الباردة والردع المتبادل، وهو سيناريو يقوم على استمرار انعدام الثقة، مع تصاعد الاعتماد الخليجي على التحالفات الدفاعية، وتسريع بدائل أمن الطاقة، في ظل بقاء التوتر دون انفجار مباشر.
في حين يتمثل المسار الثالث في انفراج ستراتيجي شامل، إذ يفترض تحولاً كبيراً في السياسة الإيرانية نحو خفض التوتر مع الجوار، بما يفتح الباب أمام تفاهمات أمنية، واستثمارات متبادلة، تعزز الاستقرار الإقليمي.
وبين هذه السيناريوهات الثلاثة، يبقى المرجح هو استمرار إدارة التوازنات الدقيقة بين الحوار والحذر والردع.
في المقابل، دفعت المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز دول الخليج إلى تسريع تطوير بدائل ستراتيجية لتقليل الاعتماد عليه، عبر خطوط أنابيب كـ"شرق–غرب" في السعودية و"حبشان–الفجيرة" في الإمارات، إلى جانب التوسع في مشاريع الربط البري والممرات الإقليمية لتأمين مسارات أكثر تنوعاً للطاقة والتجارة.
ورغم هذه الجهود، فلا يزال ملف الغاز الطبيعي المسال يمثل تحدياً هيكلياً، مما يؤكد أن البدائل الحالية تقلل المخاطر، لكنها لا تلغي الاعتماد على المضيق بشكل كامل.
لذلك يجب في المستقبل على دول الخليج مواصلة الاستثمار في البنية التحتية البديلة، وتعزيز التكامل الخليجي، في مشروعات النقل والطاقة، إلى جانب توسيع الشراكات الإقليمية والدولية لضمان تعدد الخيارات الستراتيجية، بما يحول أمن الطاقة من نقطة هشاشة جغرافية، إلى منظومة مرنة متعددة المسارات.
وبناء على ذلك، وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، أصبح التنسيق الخليجي ضرورة ستراتيجية لا خياراً ثانوياً. فالتعامل مع إيران يتطلب موقفاً خليجياً موحداً أكثر تماسكاً، يحد من التباينات الداخلية ويعزز القدرة على إدارة التوازنات الإقليمية، والقوة التفاوضية لدول "مجلس التعاون" الخليجي، بما يضمن حماية الأمن والاستقرار الإقليمي بشكل أكثر فاعلية.
$ خبير سياسي وعسكري