مختصر مفيد
يتابع أكثر الناس مقاطع التواصل الاجتماعي على الانترنت، ويهتمون بالأكل والضحك، ولا يهتمون للأخبار والأحداث، التي فيها مصيرهم ومعيشتهم، ومصير دولهم، وإن سألت أحدهم قال لك: لا أحب السياسة.
معنى كلمة «سياسة» المتداولة تعني باختصار شديد «أحوال البلد وعلاقاته مع الدول الأخرى»، ولنضرب أمثلة على ذلك.
فالـ»حوثيون» في اليمن، جماعة متمردة، تشجعت خلال ما يُسمى «الربيع العربي»، وأطاحت الحكومة الشرعية، لأن هذه الجماعة كانت تعيش شمال اليمن، وشعرت أنها مهمشة لا تهتم بأحوالها الحكومة في صنعاء، وقد كتبنا مقالة عن ذلك، فتدهورت أحوال اليمن، وتشجعت ايران فساعدت الـ»حوثيين» بالسلاح، أما كان أجدر بهذه الجماعة أن تتفاوض مع الحكومة بالحسنى، وتمنع إراقة الدماء؟
الـ»حوثيون» أضروا بلدهم، بل أضروا مصر، أي تضرر الشعب المصري من أفعالهم، لأنهم هاجموا السفن في البحر الأحمر، فتعطل عبورها في قناة السويس، وخسرت مصر عوائد مالية هائلة، نحو 800 مليون دولار شهرياً، وارتفع التأمين على السلع، فارتفعت الأسعار، وتضرر الناس هنا وهناك.
قبل اشهر ضربت طائرة «درون حوثية» إسرائيل، فردت عليها بقصف خزانات النفط في ميناء الحديدة، فأصبحت خسائر اليمن هائلة.
وهكذا فان الوضع الداخلي في هذا البلد أضر بشعب ذاك البلد، أو بشعوب البلدان الأخرى، وكان الأحرى بالناس متابعة الأحداث لأن فيها مصيرهم، ومستقبل أولادهم.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أشعل حرباً بغزوه شرق أوكرانيا، فقد كان الشعب الأوكراني يعيش بسلام وأمان، لكن بوتين، أخذ يشكك بحلف الـ»ناتو»، وان هذا الحلف يقترب من حدود روسيا الغربية، فشن حربا ضد أوكرانيا ليمنع تقدم دول الحلف تجاه روسيا، وليجعل من اوكرانيا منطقة عازلة بينه وبين الغرب، فكان من نتائج ذلك خسائر وهلاك من الطرفين، وتفكيره ذاك جعل دولاً أوروبية أخرى تنضم للحلف الذي أصبح قوياً أكثر من ذي قبل، ولا يزال الأوكرانيون والروس يعانون من تلك الحرب.
تايوان، جزيرة مستقرة متقدمة اقتصاديا، لكن الصين مافتئت تهدد شعبها من حين لآخر بغزو الجزيرة وضمها الى الصين، لذلك لا يشعر سكانها بالأمان.
يعاني الشعب الإيراني في أحواله المعيشية بسبب إنفاق طهران الهائل على تدخلها بسورية واليمن وتمويل «حزب الله» و»حماس»، وكان الأجدر أن تهتم بأحوالها الداخلية، وما جرى من اتفاق بين اميركا وايران، لم يكن اتفاق سلام، بل مذكرة تفاهم، مدتها 60 يوماً، تمدّد وقف إطلاق النار، وتفتح مضيق هرمز لعبور السفن، وتُرجئ السؤال الأصعب: ماذا عن اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، ماذا عن برنامج الصواريخ، ماذا عن وكلاء ايران بالمنطقة؟
هذه الأسئلة لم تُحسم، وايران لم تلتزم علناً بالتخلي عن اليورانيوم المخصّب، أما إسرائيل، التي أُقصيت من المفاوضات، فقد شنّت ضربات على ضاحية بيروت الجنوبية، في اليوم ذاته الذي كانت فيه المفاوضات تقترب من خطّها الختامي.
هذا الغياب الإسرائيلي يُثير سؤالاً: ما قيمة اتفاق يوقعه طرفان، ويرفض الانضمام إليه طرف ثالث، يمتلك القدرة والإرادة على مواصلة القتال؟
ولا تكتمل قراءة هذا الاتفاق دون النظر إلى ردود الفعل الخليجية، فقد استهدفت إيران خلال الحرب جميع دول «مجلس التعاون» الخليجي الست بصواريخ ومسيّرات، فأعلنت الامارات أن أي اتفاق يجب أن يشمل وقف الاعمال العدائية الإيرانية ضد دول الجوار، لا مجرد وقف اطلاق النار مع اميركا.
كذلك قد يتأثر اقتصاد بلد بالعالم، فإذا انخفضت أسعار النفط أو الكاكاو، تأثر وضع الحكومة والشعب في البلد المنتج للنفط، أو المحصول الزراعي، نكتفي لضيق البراح.
ويقول لك: ما أحب السياسة، يعني متابعة الأكلات عنده على برامج التواصل الاجتماعي، أهم من أوضاعه المعيشية واستقرار أمن بلاده؟