الجمعة 19 يونيو 2026
34°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لماذا نغضب من التحليل ونرفضه؟
play icon
كل الآراء

لماذا نغضب من التحليل ونرفضه؟

Time
الخميس 18 يونيو 2026
عبدالعزيز محمد العنجري

أحياناً لا نغضب من التحليل لأنه خاطئ أو منحاز، بل لأنه يضع أمامنا احتمالات لا نريد تصديقها، وسيناريوهات لا نرغب بمواجهتها، فيجرّدنا من الطمأنينة التي اعتدنا الاحتماء خلفها.

في زمن كأس العالم، يبدو هذا السلوك مألوفاً. فالمشجع لا يريد أن يسمع قبل المباراة عن نقاط ضعف فريقه، ولا عن مزايا خصمه. هو يريد من يكرر على مسامعه أن الفوز أتٍ. لكن السياسة ليست مباراة كرة قدم، والدول لا تُدار بعقلية الملاعب، والمدرجات.

السياسة تحتاج إلى عقل بارد لا ينزعج من سؤال، ولا ينفعل أمام سيناريو، ولا يخلط بين التحذير والتخوين. فمن لا يحتمل سماع الاحتمالات الصعبة، لن يكون مستعداً لمواجهة نتائجها.

قد تنتهي القصة في الرياضة عند صافرة الحكم. أما في السياسة، فكثيراً ما تبدأ النتائج بعد انتهاء المعركة، وتوقيع الاتفاقيات.

وهنا تصبح الحالة الإيرانية مثالاً واضحاً. فجزء كبير من الرأي العام الخليجي كان، ولا يزال، يتعامل مع الحرب وكأن نهايتها الطبيعية هي تفكيك النظام الإيراني، أو إخراجه من المعادلة.

ثم جاء الحديث عن تفاهمات أميركية ـ إيرانية، وعن ترتيبات محتملة لإعادة تأهيل طهران اقتصادياً، بل وعن أرقام ضخمة قد تصل إلى مئات المليارات، مع تساؤلات مؤلمة حول ما إذا كان الخليج سيدفع كلفة ذلك، أو جزءاً منها.

كانت الصدمة مفهومة. فالكثيرون لم يُصدموا فقط من احتمال أن تخرج إيران من الحرب باتفاق لا بانهيار، بل من احتمال أن يكون الخليج غائباً عن صناعة التسوية، ثم حاضراً عند دفع كلفتها.

هنا يهرب بعض النقاش العام من الأسئلة الصعبة. فتبيّن أن مسار الحرب لم ينتهِ كما أوحت به واشنطن في فبراير، حين قُدّمت العملية باعتبارها حملة تستغرق اربعة إلى ستة أسابيع لتفكيك التهديد العسكري والأمني الإيراني.

ومن صدّق خطاب الحسم السريع وجد نفسه أمام مسار مختلف تماماً؛ فإيران لم تخرج من المعادلة، بل عادت إلى طاولة التفاوض مع واشنطن داخل تفاهمات جديدة.

والسؤال ليس: من انتصر في الخطاب الإعلامي، بل: لماذا يجد الخليج نفسه أمام ترتيبات قد تمنح طهران فرصة سياسية واقتصادية للنهوض من جديد، من دون ضمانات، أمنية وسياسية، واضحة تعكس حجم المخاطر التي تحمّلتها دول الخليج؟

طرح هذه الأسئلة ليس دفاعاً عن إيران، ولا تشكيكاً في قوة الخليج، ولا استسلاماً للتشاؤم، بل هو الحد الأدنى من التفكير الستراتيجي.

فقد سئمنا من تحويل التحليل إلى تهمة، ومن التعامل مع كل قراءة لا تُجامل العاطفة وكأنها انحياز للخصم. المشكلة أن بعضهم يقلل من كل خطر قبل وقوعه، ثم بعد أن نصطدم بالواقع المرّ يبدأ بتفسير ما حدث وكأنه كان واضحاً منذ البداية. لكن التحليل اللاحق لا يكفي.

ما تحتاجه الدول والمجتمعات هو الاستشراف المبكر، وفتح مساحة أوسع لمن يطرح الأسئلة الصعبة، قبل أن تتحول إلى أزمات تمس حياة الناس، وأمنهم، ومصالحهم.

السياسة الدولية لا ترحم من يخلط بين الأمنيات والوقائع. وعليه، فإن المصلحة الوطنية لا يحميها إنكار السيناريوهات المزعجة، بل الاستعداد المبكر لها.

آخر الأخبار