يُشكل التنفيذ القضائي مرحلة الحصاد الجوهري لخصومة المرافعات، حيث تتحول فيه الحقوق النظرية إلى واقع مادي ملموس عبر اقتضاء الحقوق الثابتة بالسندات التنفيذية. وتثور في هذه المرحلة الحرجَة مفارقة إجرائية واقتصادية بين مصلحة الدائن الملحة، في اللجوء الفوري للتنفيذ الجبري، وبين حق المدين القانوني في منحه فرصة للوفاء الطوعي دون تعسف بمركزه المالي.
هذا التوازن ليس مجرد تنظيم إجرائي، بل فلسفة تشريعية عميقة تمس استقرار المعاملات، والائتمان، ويتجلى بوضوح في بيئة القضاء الكويتي التي تسعى لمنع كيد الدائنين من جهة، والحد من مماطلة المدينين، وسوء نيتهم من جهة أخرى.
وفي الجانب التأصيلي، يرتكز حق المدين في التنفيذ الاختياري على مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق الإجرائي، ومراعاة المركز المالي للمدين حسن النية لضمان، ألا يتحول التنفيذ إلى وسيلة للإضرار العمدي.
ولذلك، فرضت التشريعات إعلان السند التنفيذي المصحوب بالتكليف بالوفاء، كشرط جوهري، قبل البدء في أي مظهر من مظاهر القوة الجبرية. بيد أن هذا الإجراء الوقائي ينشطر عمليا إلى أثرين متناقضين؛ فهو يمثل مهلة قانونية تتيح للمدين الوفاء طواعية لتجنب الحجز، وإرهاق كاهله، وفي المقابل، قد يُستغل من قبل بعض المدينين سيئي النية كفرصة لتهريب أموالهم، وتبديد أصولهم إضراراً بالدائن.
وقد تبنى المشرع الكويتي في قانون المرافعات المدنية والتجارية موقفاً وسطاً، يوازن بين الطرفين؛ فوفقا للمادة 204، لا يجوز المباشرة في التنفيذ الجبري، إلا بعد مضي ثمانية أيام على الأقل من تاريخ إعلان السند التنفيذي، والتكليف بالوفاء. ورغم أن هذا النص يحمي حق المدين في المبادرة للتنفيذ الطوعي، إلا أن القضاء الكويتي واجه مخاطر تهريب الأموال بحزم، فقد كفل للدائن مكنة اتخاذ الإجراءات التحفظية، كالحجز التحفظي، دون انتظار فوات هذه المهلة، مما يغلّ يد المدين عن التصرفات التبديدية موقتا، مع الحفاظ على حقه في الوفاء الاختياري.
إن ضبط التوازن بين التنفيذ المباشر والاختياري يمثل هندسة إجرائية، متكاملة، لحماية هيبة الأحكام، والاستقرار الاقتصادي في الدولة. وإذا كان الفقه الإجرائي المعاصر يدفع باتجاه تعزيز سلطات الدائن، وتضييق مهل الوفاء، تماشياً مع سرعة المعاملات التجارية، فإن الخيار القضائي الكويتي أثبت نجاعته بتفعيل رقابة قاضي التنفيذ على مبررات الحجز.
ويظل الخط الفاصل بين سرعة اقتضاء الحق ومظنة المماطلة دقيقاً، مما يؤكد أن العدالة الإجرائية لا تستقيم إلا بجعل الوفاء الاختياري هو الأصل العام، وإبقاء القهر الجبري استثناءً لا يُلجأ إليه إلا عند ثبوت سوء النية.
سعود مطر الزعبى
كلية الدراسات التجارية - تخصص القانون