هل ستكون عملية التحكيم ناجحة إذا امتد نطاق الاختصاص فيها إلى المسائل الجنائية بجانب المسائل المدنية والتجارية؟
يعتبر التحكيم من الوسائل الحديثة، والمهمة، لحل النزاعات، وقد أثبت نجاحه في الكثير من القضايا، المدنية والتجارية، بسبب سرعته ومرونته، مقارنة بالقضاء العادي. لكن يثار تساؤل مهم حول إمكانية توسيع نطاق التحكيم، ليشمل المسائل الجنائية، وهل سيحقق النجاح نفسه في هذا المجال أم لا؟
من وجهة نظري، أرى أن نجاح التحكيم في القضايا المدنية والتجارية لا يعني بالضرورة نجاحه في القضايا الجنائية. فالفرق بين النوعين كبير؛ لأن المنازعات، المدنية والتجارية، تتعلق غالباً بحقوق خاصة بين الأفراد أو الشركات، ويمكن للأطراف التصرف بهذه الحقوق والتنازل عنها. أما القضايا الجنائية فهي ترتبط بالمصلحة العامة، وحق المجتمع، وليس بحق المجني عليه فقط.
كما أن الهدف من العقوبة الجنائية لا يقتصر على حل النزاع بين الأطراف، بل تشمل تحقيق العدالة وردع الجاني، ومنع تكرار الجريمة، لذلك فإن ترك الفصل في الجرائم لهيئات التحكيم قد يؤدي إلى إضعاف دور الدولة في حماية المجتمع، وتطبيق القانون.
وفي المقابل، هناك من يرى أن التحكيم قد يساعد في تخفيف الضغط على المحاكم، وتسريع الإجراءات، خصوصا في بعض الجرائم البسيطة. إلا أن هذا الرأي يظل محل نقاش؛ لأن القضايا الجنائية تحتاج إلى ضمانات، وإجراءات دقيقة، تكفل حقوق المتهم والمجني عليه في الوقت نفسه.
لذا، بودي ان اختم مقالتي بالتأكيد أن عملية التحكيم تظل وسيلة ناجحة وفعالة في المسائل، المدنية والتجارية، لكنه قد لا يكون مناسبًا للتوسع في المسائل الجنائية بسبب طبيعتها الخاصة وارتباطها بالنظام العام.
لذلك من الأفضل بقاء الاختصاص الجنائي بيد المحاكم المختصة مع إمكانية استخدام بعض وسائل الصلح، أو التسوية المالية، كآثار مالية في حالات محددة، يسمح بها النظام العام في الدولة، كحالات يجوز فيها صلح، وبالتالي يجوز فيها التحكيم وفق القاعدة التحكيمية الدولية (ما يجوز فيه الصلح يجوز فيه التحكيم).
ولذلك فإن نجاح التحكيم في المجال الجنائي يبقى محدوداً مقارنة بنجاحه الواضح في المجالين المدني والتجاري.
فيصل أحمد ملا يوسف
كلية الدراسات التجارية - تخصص قانون